عبد الزاق كواري
أخلاقيات المهنة كلمة رنانة بحمولة مثالية، يعم فيها الإحترام والتقدير المتبادل بين المشغل والأجير،
هذا هو الأساس المهني المنشود لتحقيق التطور والنجاح المشترك، بعيدا عن الانتهازية والأنانية المفرطة، فبيئة العمل مكان مشترك بين الجميع، سواء في إطار الزمالة أو التبعية المهنية، والأساس فيها الأمانة والتعاون لتحقيق الالتزامات والغايات المهنية، التي من شأنها ضمان الإستمرارية والنجاح المشترك.
لكن عندما يغيب الضمير المهني، ويسود المكر والتحايل بشتى الطرق، أملا في تحقيق مصالح مادية ضيقة لكل طرف على حساب الآخر، بشتى الوسائل الممكنة وغير المشروعة، فهنا نتكلم عن بيئة سامة تقود إلى الانهيار والزوال، مهما طال بها الزمن.
من أجل حماية الحقوق والواجبات في هذه الظروف، سنت قوانين وضوابط يتم الاحتكام إليها بعد فشل الأخلاق والأعراف عن تدبير المعاملات المهنية والتجارية بين المتعاقدين بشتى أصنافهم ومستوياتهم، هذه القوانين تكتسي الصبغة الدولية، فهي منظمة بقوانين وطنية، تحت مراقبة قوانين ومعاهدات دولية، من بين هذه القوانين الصارمة والتي تتميز بقواعدها القانونية الآمرة، نجد قانون الشغل.
فضاءات التصوير عادة تحكمها الأعراف بالدرجة الأولى، خاصة إذا عمت البيئة المهنية منافسة شريفة يسودها الإحترام المتبادل، لكنها مضبوطة بنوعين من التعاقدات، التعاقد المتساوي الذي يجمع بين طرفين في مستوى واحد، وهو ما ينطبق عليه قاعدة العقد شريعة المتعاقدين، مع بعض الإستثناءات المتعلقة بمدونة التجارة والتي تلغي هذه القاعدة التي تميز معاملات قانون الالتزامات والعقود.
لكن، عندما يتعلق الأمر بتعاقد بين مستويين متباينين، فهنا يختلف الأمر، ويدخل مباشرة تحت ظل القانون الإجتماعي كيفما كانت طبيعة هذا التعاقد، وذلك استنادا للمادة 6 من القانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، التي أعطت تعريفا حاسما لتحديد صفة المشغل والأجير “يعد أجيرا كل شخص التزم ببذل نشاطه المهني، تحت تبعية مشغل واحد أو عدة مشغلين، لقاء أجر، أيا كان نوعه وطريقة أدائه … يعد مشغلا كل شخص طبيعي أو اعتباري، خاصا كان أو عاما، يستأجر خدمات شخص ذاتي واحد أو أكثر.”
كما أن القانون الإجتماعي أخذ بعين الإعتبار وضعية الأجير وحاجته الماسة للشغل، وافترض أنه قد يقبل العمل دون تردد خوفا من تراجع الأجير عن منحه هذه الفرصة، كما أن زاوية تعامله تجعله في موقع ضعف أمام الأجير، الشيء الذي قد يدفع المشغل الذي يفتقر لأخلاقيات المهنة، ويرجح مصلحته الشخصية على حساب العنصر الأضعف في منظومة الشغل، ليستفيد من خدماته دون عقد مكتوب، كما يمكنه أن يمنحه مقابل عمله نقدا، تفاديا لأي متابعة قضائية محتملة، لهذا كان القانون واضحا في هذه المسألة ومنح الأجير حق إثبات عقد الشغل بشتى الوسائل الممكنة، وفق ما جاء في المادة 18 من القانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، كما وضحت المادة 1 من نفس القانون، طبيعة المعاملة القانونية التي تعتبر علاقة شغل “تسري أحكام هذا القانون على الأشخاص المرتبطين بعقد شغل، أيا كانت طرق تنفيذه، وطبيعة الأجر المقرر فيه، وكيفية أدائه، وأيا كان نوع المقاولة التي ينفذ العقد داخلها … كما تسري أحكام هذا القانون على المشغلين الذين يزاولون مهنة حرة، وعلى قطاع الخدمات، وبشكل عام على الأشخاص الذين ارتبطو بعقد شغل،” فعقد الشغل ينشأ مباشرة مع توفر التعاقد المنصوص عليه في قانون الإلتزامات والعقود، وهي التراضي والأهلية، المحل وسببه، وفي حالة إبرام عقد الشغل كتابة يجب تحريره في نظيرين موقعين من الطرفين ومصادق عليه، ويلزم المشغل بمنح الأجير نسخة منه، حسب المادة 15 من نفس القانون، وبالتالي فأي علاقة تتطابق مع هذا التعريف لا يمكن اعتبارها عقد تجاري أو عقد تسيير، حتى وإن تضمن العقد شروطا توضح ذلك، أو تمت تسميته باسم يوحي أنه عقد شراكة أو عقد تسيير أو عقد تجاري، فتبقى التبعية المهنية هي الفيصل في طبيعة التعاقد، كما أن المادة 11 من نفس القانون، تؤكد بكل صراحة، أن قواعد مدونة الشغل آمرة ولا يجوز الإتفاق على مخالفتها، وبالتالي كل شرط يخالف قواعد هذا القانون، يعتبر لاغيا، إلا إذا كان يدخل في نطاق “أحكام أكثر فائدة للأجير”.
هذا ما يؤكد لنا بالملموس، أن كل التقنيين والفنانين، والمهنيين المتواجدين بفضاء التصوير لأداء مهمة إنتاجية، يقعون تحت مسؤولية شركة الإنتاج حتى في غياب تعاقد صريح، وتكتسب هذه العلاقة جميع الواجبات والحقوق بين الطرفين بشكل مباشر، وهذا ما يعني أن شركة الإنتاج من المفترض أن توفر الحماية القانونية لهؤلاء الأجراء، من أهمها تأمينهم ضد المخاطر، لأن طبيعة هذه الفضاءات تجعلهم معرضين لعدد كبير من حوادث الشغل المحتملة، ويحق لهم حتى في غياب عقد رسمي، إثبات هذا التعاقد، وإثبات حادثة الشغل، وهو ما يمنحهم حق الاستفادة من التأمين، وتلقي التعويضات والعلاجات المترتبة عنه، وفي حالة غياب هذا التأمين، يمكن متابعة المشغل، أي المنتج بالمسؤولية التقصيرية، التي ستجعله مطالبا بتعويض الأجير المصاب، وأداء جميع العلاجات وما ترتب عنها، وأداء غرامات، وتلقي عقوبات متفاوتة الدرجات.
حتى إن حاول المنتج الطعن في إثبات عقد الشغل، وقدم للقضاء عقدا مكتوبا يبدوا في شكله عقدا شراكة أو تجارة، فتبقى للقضاء السلطة التقديرية المطلقة، بناء على قواعد ومواد مدونة الشغل، لتكييف هذا العقد كي يصبح عقد شغل.
هناك نماذج متعدد في هذا الشأن، تتضمنها قرارات محكمة النقض، نذكر من بينها “القرار رقم: 414 – بتاريخ 25/04/1995 – ملف عدد :8445/92” الذي خلصت من خلاله محكمة النقض إلى :
“أن العقد المدلى به افاد أن المطلوب ارتبط مع الطاعنة بوصفه ممثلا تجاريا، وكيلا للبيع بنصف الجملة لسلعها وحدها في المحل، مع أخذه مقابل عمله نسبة من الارباح، واعطائها البيانات المفصلة عن البيوعات التي يقوم بها، المحكمة حين اعتبرته عقد شغل لبقاء المطلوب خاضعا لإشرافها ومراقبتها، وفي حالة تبعية لها، وهما الصفتان المميزتان لعقد العمل، تكون كيفت العقد تكيفا صحيحا مستمدا من تنصيصات العقد وركزت قضاءها على أساس سليم”
كما أن الإتفاق مع الأجير بأن يقدم خدماته المهنية مقابل نسبة محددة من الأرباح، أو من الدعم المقدم، كما هو الشأن في عدد من عقود المخرجين والممثلين ومدراء الإنتاج، المبرمة مع شركات الإنتاج، فهو لا ينفي صفة التبعية عن الأجير، وبالتالي لا يلغي صحة عقد الشغل وما يترتب عنه من التزامات وحقوق، وهو ما يؤكده “القرار عدد 897 – بتاريخ 9/6/99 – الملف التجاري عدد 1078/93” الذي خلص إلى صحة الشراكة من خلال الحصول على نسبة من الأرباح، وأيضا صحة عقد الشغل في المهام التي يقوم بها بصفة تبعية لمشغله :
“لا تتنافى علاقة الأجير والشريك، إذ ليس هناك ما يمنع أن يكون الشخص أجيرا وشريكا في نفس الوقت، كما لا تلغي كل واحدة منهما الاخرى، تكون المحكمة قد طبقت وعن صواب، قاعدة العقد شريعة المتعاقدين لما قضت باحقية الشريك في نسبة 20% من الارباح، عن تسييره الأصل التجاري واستغلاله مفيدا للطرفين معا”
من خلال هذا التحليل القانوني الدقيق، نستنتج أن الأجراء المستقلون العاملون في مختلف الإنتاجات السينمائية والسمعية البصرية، لحساب شركات الإنتاج أو القنوات التلفزية، متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن طبيعة أو شكل تعاقداتهم، وتسري عليهم قواعد القانون الإجتماعي، ويشملهم ما يشمل الأجراء الدائمين بموجب عقد شغل رسمي، باستثناء الموظفين الإداريين الذين تسري عليهم أحكام القانون الإداري، كما أن القانون الإجتماعي يتضمن عدة إمتيازات محمية بقوة القانون الدولي، من بينها مجانية التقاضي مهما بلغت المطالب المالية، حرية الإثبات، الحق في المساعدة القضائية، كما يتمتع الأجراء بمجموعة من الحقوق المرتبطة بالعمل النقابي والإجتماعي، التي تضمن حقوقهم رغم الصورة النمطية المتداولة، والتي بموجبها يقصي عدد كبير من المهنيين أنفسهم من الامتيازات التي يمنحها لهم القانون.
إلا أن الأصل في العلاقات المهنية هو الالتزام والتعاون، فالمشغل ملزم ببذل مجهوداته لحماية وتشجيع الأجراء على الإنتاج، والأجراء بدورهم مدعوون لتطوير أنفسهم وبدل مجهودات كبيرة، لتقديم خدمات متميزة تساهم في نجاح المنتج لضمان استمراريته.
فالعلاقة إذا علاقة تتجاوز ماهيتها المهنية، إلى ماهية اجتماعية روحية وإنسانية متبادلة، وإحترام الأدوار والواجبات، والالتزام بالمهام والمعاملة الحسنة، فهو السبيل الأمثل والأساس الأول، لتطور الإنتاجات الوطنية، ورفع قيمة المنتوج الوطني إلى أعلى المستويات، بعيدا عن الصراعات والحسابات الضيقة.