حين يتحول دعم السينما إلى أسئلة محرجة هل يهدر مبدأ تكافؤ الفرص داخل المركز السينمائي المغربي؟
في سياق النقاش المتواصل حول حصيلة الإنتاج السينمائي الوطني، وبعد محطتي المهرجان الوطني للفيلم بطنجة والمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، يفرض سؤال الحكامة والشفافية نفسه بإلحاح، خصوصًا حين يتعلق الأمر بآليات الدعم العمومي التي تشكل رافعة أساسية لتطوير الصناعة السينمائية المغربية.
ومن هذا المنطلق، وبصفتي متتبعًا ومهتمًا بالشأن السينمائي، قمت ببحث تدقيقي يروم تقييم بعض مخرجات منظومة الدعم، ليس بدافع التشهير أو الاصطفاف، وإنما انطلاقًا من مسؤولية نقدية يفرضها الواجب المهني والأخلاقي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال العام وبمبدأ تكافؤ الفرص بين المشاريع.
وخلال هذا البحث، وقفت على معطيات رسمية منشورة في بلاغات المركز السينمائي المغربي، أثارت لدي أكثر من علامة استفهام، ودفعتني إلى التوقف عند ما يبدو، على الأقل، اختلالًا مسطريًا يستوجب التوضيح والتفسير.
مشروع واحد… ودعمان لمرحلتين متتاليتين
تتعلق الملاحظة الأساسية بمشروع فيلم روائي طويل يحمل عنوان
«Ce passé-là le loup noir» (كما ورد في بلاغ اللجنة دون ترجمة عربية)، والذي استفاد خلال الدورة الثالثة للجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية برسم سنة 2025 من دعم إعادة كتابة السيناريو بقيمة 8 ملايين سنتيم.
إلى هنا، قد يبدو الأمر عاديًا من الناحية الشكلية. غير أن العودة إلى أرشيف بلاغات المركز السينمائي المغربي تكشف أن نفس المشروع، بنفس العنوان، ولنفس شركة الإنتاج، سبق أن استفاد سنة 2023، وخلال الدورة الثالثة أيضًا، من دعم كتابة السيناريو بقيمة 10 ملايين سنتيم.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح
هل يتيح الإطار القانوني المنظم لدعم الإنتاج السينمائي تمتيع نفس المشروع بدعم “الكتابة” ثم “إعادة الكتابة” في دورتين مختلفتين؟
حسب قراءة متأنية لمقتضيات النصوص المنظمة، لا يبدو أن روح القانون ولا فلسفة الدعم العمومي تقوم على مراكمة منح متتالية لمرحلة تطوير نفس المشروع، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرحلتين متلازمتين عضويًا مثل “الكتابة” و“إعادة الكتابة”.
وإذا كان هذا الإجراء قانونيًا، فلماذا لم يتم التنصيص عليه بشكل واضح وصريح ضمن المساطر المنظمة؟
وإذا كان الأمر يتعلق بـخطأ مطبعي أو سهو إداري، فمن يتحمل مسؤولية نشر بلاغ رسمي يتضمن معطيات غير دقيقة، قد تسيء إلى مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص؟
في جميع الحالات، تبقى الإشكالية قائمة ومشروعة:
• هل تتحمل لجنة الدعم مسؤولية هذا القرار؟
• أم أن إدارة المركز السينمائي المغربي، باعتبارها المؤطرة للعملية والحارسة لتطبيق النصوص، لم تنتبه إلى سبق استفادة المشروع من دعم مماثل؟
والأهم من ذلك
أليس في هذا الإجراء حيف محتمل في حق مشاريع أخرى لم تنل فرصة الدعم، في تعارض صريح مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي يُفترض أن يؤطر كل تدخل عمومي؟
وإذا كان هذا المشروع محل تقدير فني من طرف لجنتين متعاقبتين، فإن السؤال المنطقي يظل مطروحًا:
لماذا لم يتم، مسطريًا، توجيهه مباشرة نحو دعم التسبيق على المداخيل، مع إرفاق ذلك بتوصية بإجراء معالجة جديدة للسيناريو، بدل الاستمرار في حلقة دعم “الكتابة” و“إعادة الكتابة”؟
بل أكثر من ذلك، يحق لنا التساؤل:
كم من مشروع استفاد من دعم الكتابة أو إعادة الكتابة، ولم يرَ النور قط؟
وهل نحن أمام آلية دعم تهدف فعلًا إلى إنجاز الأفلام وتطوير الصناعة، أم مجرد منح تطوير تُصرف دون تتبع صارم لمآلاتها الفنية والإنتاجية؟
إن إثارة هذه النقاط لا تهدف إلى التشكيك في النوايا، بقدر ما تروم فتح نقاش عمومي مسؤول حول حكامة دعم السينما المغربية، ومدى ملاءمة آلياتها مع الأهداف المعلنة للقانون رقم 18.23 المتعلق بتنظيم الصناعة السينمائية