هشام الودغيري
لنترك الخيال الروائي/الإبداعي جانبًا، فاليوم نحتاج إلى ضمير نقدي نشِط، يواجه تمدُّد السطحية وهيمنة فكر ديكتاتوري تافه. قد يبدو للبعض أن زمنه ولى، لكنه ما زال، مع الأسف، متقوقعًا في مؤسساتنا وبين ظهرانينا.
مع التردي الحاصل في إدارة مرافقنا العامة، لا بد أن تطفو على السطح مظاهر استبدادية للمسيرين والمدبرين، فتتفشى عُقد الإجراءات الإدارية الرتيبة التي تهدر ميزانيات فاحشة، دون سند أو توجه استراتيجي واضح للنهوض بالخدمة العمومية بالبلاد (عشنا، مثلًا، عبث “البرنامج الاستعجالي” بقطاع التعليم).
يتولى شأن ذلك كل من دخل عن طريق الباب الخلفي، تسلل عبر درج قبو الكواليس، معززًا بعادات قديمة (التزكيات السياسوية)، متناسيًا أن مثل تلك الأساليب الخسيسة أفسدت وتُفسد أي مشروع إصلاحي بمرفق عمومي كان، البارحة واليوم وغدًا.
حال عطب سينيمانا يدخل اليوم منطقة تشبه الثقب الأسود، يعمل فيها جاهدًا “فريق الهدم القديم” على ملء فراغ الإبداع بأفكار وحلول ترقيعية تافهة بلا قيمة، كما جرت عادة حليمة. تُصرف في ذلك، بخبط عشواء، ملايين الدراهم الرنانة على فقاعات سُوليمائية شبه فنية منهارة. في النهاية، يغدو كل نقد بنّاء، أمام عرمرم من ظواهر الشطط السلطوي والزيغ عن الطريق السديد والانجراف إلى أجندات مافيا الفن، غير مؤثر مهنيًا، أمام خنادق بيروقراطية الإدارة على نمط “لجنة” رواية صنع الله إبراهيم.
عادة ما يُستغل، من طرف بعض النافذين، فشل المناخ السياسي وغياب تضامن المهنيين، فتدب في دهاليز الإدارة ممارسات عبثية قاتلة تأتي على الأخضر واليابس، خصوصًا مع جهل مكرَّس عند هذا البعض بخصوصيات الميدان الفني وميكانيزمات الصناعة السينمائية الحقة.
هناك، وراء البحر، عند المهنيين والإداريين وحتى السياسيين، السينما ليست مجرد بيع تذاكر أو ملحقة إدارية لختم الوثائق. هناك أيضًا الشأن السينمائي قضية جماعية تشاركية عامة (دستورنا ينص على ذلك)، فالصناعة السينمائية مؤسسة ثقافية، بجميع امتيازاتها الاقتصادية والتربوية وذات بعد جماهيري مباشر وواسع.
بالتالي، لا يمكن لصانع الفيلم (هناك) أن يتخلى عن دوره السياسي والمجتمعي؛ فقدرته على إنتاج وترويج بضاعته لدى الجماهير العريضة لا تتركه بلا واجب تجاهها كمستهلك. في المقابل، لا تُترك الإدارة والمشرِّع بلا واجب تجاهه: واجب التقنين والتحفيز بعد الاستماع إلى مطالبه، بإجبارية مشاركته في تدبير شأن ميدانه، ومواكبته في تطوير الصناعة والمهارات المطلوبة في مناخ مهنته، اقتصاديًا وسياسيًا.
أستحضر هنا عوالم دولة “أُوقْيَانْيَة – Oceania” حيث لا تهدأ فيها الحرب، والرقابة الحكومية، والتلاعب بالجماهير، في رواية “1984” لجورج أورويل المنشورة سنة 1949: مجتمع يخضع تمامًا لسلطة “الأخ الأكبر – Big Brother” التي تتحكم في المشاعر والأفكار، تحت شعارات كاذبة ومتناقضة.
هنا أُسقط تلك العوالم على واقع رؤى التدبير بسينيمانا، التي تُعرض واجهةً كعصرية/ما بعد حداثية ومواكِبة للتطور الإبداعي؛ في حين أنها لا تعكس واقعنا ولا تخييلنا الجمعي المغربي، بل تقوم على فهمٍ مشوَّه عن مغربيتنا، منبعه أجنبي كولونيالي وعن عمد وتوجيه مبيَّت. بتلك المناخات، حيث كل أفكار وإرادات التغيير غير متاحة أصلًا، بمنطق “الكذبة الكبرى لا تبدو أسوأ من الصغرى”، أو قياسًا بـ”الكذب الأبيض”.
سينيمانا المغربية في زمن ضياع وضبابية، يشعر فيه المهني والمبدع الحقيقي بخيبة أمل من إرادة إدارية حربائية هجينة، على منوال بطل رواية “1984” وينستون سميث، الذي لا يقبل الأفكار البنّاءة، ويبقى متمسكًا بسياسة “وزارة الحقيقة”، التي تنهج أسلوب إعادة كتابة الأوراق القديمة وتغيير الحقائق التاريخية، وما هي بالحقيقة، إذ هي سوى تزييفات وأكاذيب تنافق أولي الأمر، وتهربًا عجزًا من مواجهة المشاكل البنيوية بتركها دون حل (سمعنا أخيرًا تصريح الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات تحت قبة البرلمان بأن “59% من البرامج والمشاريع التنموية الموقعة أمام الملك بين 2008 و2020 لم تُنجز أو لم ترَ النور”).
أمام سينيمانا اليوم حالة “مايسترو / وينستون سميث” مرة أخرى بعد السهل والصعب، إداري ممتاز يخالف القواعد والأعراف العامة: منح نفسه منذ البداية امتيازات لم تخولها له النصوص التنظيمية، وضع العازفين المقربين لدائرة مواليه في مقدمة الركح، وأقصى باقي أعضاء الفرقة الجالسين في الخلف، متجاهلًا الفجوات والتناقضات التي قد تظهر أثناء العزف الجماعي وتبين نقاط ضعفه وهشاشة الجوقة. هكذا سلوك يحول دون تحقيق تنسيق عزف جماعي بمحافل وطنية ودولية، ورضا جمهور القاعات المغربي قبل أي اعتبار مهني أو سياسي أو حتى فرجوي.
صار التحدي اليوم أكبر من أي وقت مضى. إنه تمرين ميداني يصاحبه ضربات غدر وخيانة موجَّهة ومتعمدة لتفتيت أي بادرة أمل أو نشوء براعم مشاريع “تامغرابيت” جوانية؛ إلى درجة أن مضمون الضربات البروباغاندية أحيانًا يطغى بشاعة على شكلها، ضامرًا ديكتاتورية ممنهجة تسعى لقمع كل صوت مجدد/مبتكر/معارض.
هذا، وبين كل نقد جاد وظلال سلطوية استبدادية “وزارة الحقيقة”، تقف مقاومات أخرى (Cloud Bourgeois – نسبة لعلية تعيش بمغرب سحابي) رافضة لأي تغيير منتظر، معتبرة ذلك مستحيلًا، خاصة عندما تُموَّل ولاءاتها من جهات خارجية دخيلة.
من هنا تكمن نقطة التحول المنشودة والوحيدة في شكل نقد هادف يأخذ صفة “المحامي العام”، ليفضح الاختلالات الجمالية والتشريعية والإدارية، وليعمل من منطلق “منارة وعي” تُطالب بتغيير وقود محرّك سينيمانا البخس والملوث الهجين، بطاقة بديلة أصيلة ومتأصلة في خصوصياتها المغربية، من السعيدية شمالًا إلى الداخلة جنوبًا، مرورًا بإيموزار مرموشة وأسا الزاك.
وفي حديث آخر:
بينما تنتظر السينما المغربية خروجها من ظلال الغي، على الجميع – مهنيين وسياسيين وإداريين – إعادة الاعتبار لشعار “تامغرابيت”، في سبيل تسطير خريطة طريق بديلة وجديدة لسينيمانا، تُشكل أولى أولويات الجميع.
لندفن الماضي، على هدي رواية عبد الكريم غلاب، ولنقضِ على الأساليب الغريبة عن هويتنا التي لم ولن تعانق نفس أهدافنا المجتمعية والثقافية (رواية “دفنا الماضي” صدرت سنة 1966، وعكست صراع الهويات والتقاليد والتطلعات الوطنية بفضاءات مخملية أو برجوازية تعيش نوعًا من الانفصال عن واقع الكفاح الوطني آنذاك).
لنوقف نقل فضلات الفشل المستمر نتيجة إعادة اجترار عسل السموم الكولونيالية.
لنبحث في أسباب فشلنا نحن وبيننا، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من تجارب الحياة، ولنعمل على كبح الانزلاقات العبثية عبر إمساك قوي بالمقود السياسي/الإداري، والإجابة عن التساؤلات المطروحة بصوت جماعي “Pluribus Unio”.
الإجابة الأولى والأخيرة على ذلك، بنظري المتواضع، تكمن في عقيدة “تامغرابيت”: مفتاح سينيمانا نحو العالمية، عبر قلوب ونظر الجمهور المغربي. فالأمر الآن لا يقتصر على البقاء الهوياتي فحسب، بل يتعلق بإعطاء المنتج المغربي “Made in Morocco” كرامة وقدرة تسويقية/تنافسية إبداعية حقيقية، داخل الوطن أولًا، ثم في العالم ثانيًا كأفق مشروع.