الحسين حنين
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتشابه العناوين، يبقى للفيلم الجيد قدرة نادرة على إيقاف الزمن للحظة، وعلى إعادة ترتيب علاقتنا بالصورة وبالواقع. هذا الإحساس انتابني وأنا أتابع في مهرجان برلين السينمائي الدولي الفيلم القصير “Someday A Child – يوماً ما وُلِد” للمخرجة اللبنانية ماري‑روز أسطا، العمل الذي تُوِّج بـ الدب الذهبي لأفضل فيلم قصير.
منذ اللقطة الأولى، يضعنا الفيلم في فضاء بصري بسيط لكنه مشحون بالدلالات. كاميرا هادئة تتحرك داخل بيت حجري غير مكتمل، أعمدته الإسمنتية عارية، ونوافذه مفتوحة على الريح. المكان يبدو كأنه معلّق بين البناء والانهيار، بين ما كان وما يمكن أن يكون. في هذا الفراغ يقف رجل بملامح متعبة، يؤدي دوره أنطوان الضاهر، الطبيب والناشط البيئي الذي يتحول هنا إلى ممثل يحمل على كتفيه ثقل الحكاية.
الرجل ليس مجرد شخصية عابرة في فيلم قصير؛ إنه شاهد على زمن مضطرب. حضوره البارد، وصمته الطويل، وحركته المتأنية داخل البيت غير المكتمل، كلها عناصر تجعل المشاهد يشعر بأن المكان نفسه يعيش حالة انتظار. انتظار شيء لم يكتمل… أو ربما شيء لن يكتمل أبداً.
الفيلم، الذي يمتد لنحو سبعٍ وعشرين دقيقة، لا يعتمد على السرد التقليدي بقدر ما يعتمد على الإحساس. أصوات الطائرات الحربية التي تعبر السماء ليست مجرد خلفية صوتية، بل هي ذاكرة جماعية تستدعي سنوات الحرب التي عاشها لبنان، خصوصاً خلال صيف 2006. في هذا السياق، يتحول الطفل في الفيلم إلى رمز: طفل يرى العالم بطريقة مختلفة، وربما يمتلك – في خيال المخرجة – قوى تتجاوز خوفه من القنابل ومن السماء التي لا تهدأ.
اللافت في تجربة ماري-روز أسطا أنها تمزج الواقع بالخيال دون أن تفقد صدقها الإنساني. الطفل في الفيلم ليس ضحية خائفة كما اعتادت السينما تصويره في زمن الحرب، بل هو كائن قادر على تحويل هشاشته إلى قوة. وهنا يكمن ذكاء الفيلم: أن يمنح الطفولة معنى المقاومة الهادئة، لا المقاومة الصاخبة.
خلال وجودي في برلين، كان لي لقاء عابر مع المخرجة وممثلها قبالة السوق الأوروبية للفيلم. في حديث بسيط، اتضح أن هذا العمل ليس مجرد تمرين سينمائي، بل هو امتداد لذاكرة شخصية عاشتها المخرجة في طفولتها، بين بيت العائلة في شمال لبنان وصوت الطائرات الذي صار جزءاً من يومياتها. تلك التجربة الخاصة تحولت في الفيلم إلى لغة سينمائية يفهمها الجميع.
ما يميز هذا الفيلم أيضاً هو الاقتصاد في الوسائل. لا ديكورات معقدة ولا أحداث متلاحقة، بل تفاصيل صغيرة: درج يقود إلى فراغ، نافذة تدخل منها الريح، طفل يراقب العالم بعينين حذرتين، وخال يحاول حمايته من قوى لا يستطيع تفسيرها. هذه البساطة الظاهرة تخفي خلفها عملاً بصرياً دقيقاً يراهن على الصمت أكثر مما يراهن على الكلام.
فوز الفيلم بالدب الذهبي في برلين لم يكن مفاجئاً لمن تابع مسار هذه المخرجة. فمنذ فيلمها القصير السابق، كانت إشارات الموهبة واضحة. واليوم يبدو أن الطريق أمامها مفتوح نحو تجربة الفيلم الطويل، وهي تجربة يُتوقع أن تحمل نفس الحساسية الإنسانية التي ميزت هذا العمل.
في النهاية، يذكّرنا “يوماً ما وُلِد” بأن السينما الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى ميزانيات ضخمة أو تقنيات مبهرة. أحياناً يكفي بيت غير مكتمل، وطفل ينظر إلى السماء، ومخرجة تملك الشجاعة لتروي حكايتها بصدق.
ذلك ربما هو سر السينما حين تكون وفية للإنسان قبل أي شيء آخر.