يشكل عيد الأضحى إحدى أكثر المناسبات حضورا في الحياة الاجتماعية المغربية. فهو ليس مجرد شعيرة دينية، بل حدث سنوي يعيد تشكيل العلاقات الأسرية وأنماط الاستهلاك وحركة الفضاء العام. ومع ذلك، يظل حضوره داخل السينما المغربية محدودا ولا يرقى إلى حجم حضوره في الواقع.
فباستثناء بعض المشاهد المتفرقة التي تستثمر أجواء العيد أو إشاراته البصرية، لم تنتج السينما المغربية أعمالا بارزة جعلت من عيد الأضحى موضوعا مركزيا لبنيتها السردية. وهنا تبرز مفارقة لافتة: كيف يمكن لمناسبة بهذا الثقل الرمزي والاجتماعي أن تبقى على هامش التمثيل السينمائي؟
منذ بداياتها، انشغلت السينما المغربية بقضايا الهجرة والفقر والمدينة والهوية والتحولات الاجتماعية. وقد ظهرت هذه القضايا في أعمال لمخرجين مثل أحمد المعنوني ونور الدين الخماري ونبيل عيوش وفوزي بنسعيدي وغيرهم. غير أن عيد الأضحى لم يحظ بالاهتمام نفسه رغم ما يتيحه من إمكانات درامية.
فالتحضير للعيد، وشراء الأضحية، والعلاقات التي تنشأ داخل الأسرة خلال هذه الفترة، كلها عناصر قادرة على إنتاج صراعات إنسانية عميقة. لكن السينما المغربية فضلت في الغالب الاقتراب من نتائج هذه التحولات الاجتماعية بدل الاقتراب من أحد أبرز تجلياتها الرمزية، أي عيد الأضحى نفسه.
لا تكتسب الأضحية في المجتمع المغربي معناها من بعدها الديني فقط، بل من موقعها داخل النسق الاجتماعي. فامتلاك الأضحية يرتبط أحيانا بصورة الأسرة داخل محيطها، كما يرتبط بمشاعر الانتماء والكرامة والمشاركة الجماعية.
فالكبش ليس مجرد عنصر داخل الكادر، بل يمكن أن يتحول إلى علامة درامية تكشف التفاوتات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية التي تعيشها الأسر محدودة الدخل. لذلك فإن غياب هذا الرمز عن السينما المغربية يبدو لافتا مقارنة بحضوره القوي في الواقع اليومي.
حين تظهر أجواء العيد في بعض الأعمال المغربية، فإنها تؤدي غالبا وظيفة توثيقية أكثر منها وظيفة درامية. فالمخرج يوظف المناسبة لتحديد زمن الأحداث أو لإضفاء طابع واقعي على المشهد، دون أن يجعل منها محركا أساسيا للسرد.
والنتيجة أن العيد يبقى في خلفية الصورة بدل أن يصبح موضوعا للتأمل الفني. فالمشاهد المتعلقة بالأسواق أو التجمعات العائلية أو لحظة الذبح تظهر بوصفها تفاصيل من الحياة اليومية، لا باعتبارها عناصر قادرة على إنتاج المعنى السينمائي.
يمكن تفسير هذا الغياب بعدة عوامل. أولها أن السينما المغربية الحديثة انشغلت لفترة طويلة بأسئلة الحداثة والهامش والهجرة والاختلالات الاجتماعية الكبرى. وثانيها أن معالجة الطقوس الدينية تتطلب توازنا دقيقا بين الحساسية الثقافية والحرية الفنية، وهو ما قد يدفع بعض المخرجين إلى تجنب الاقتراب المباشر من هذه المواضيع.
غير أن هذا التفسير لا يلغي حقيقة أن عيد الأضحى يظل فضاء دراميا غنيا لم تستثمره السينما المغربية بالقدر الكافي. فالمناسبة تجمع بين البعد الروحي والبعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي، وهي عناصر شكلت دائما جوهر الحكايات السينمائية الكبرى.
لا يمكن الحديث عن حضور قوي لعيد الأضحى في السينما المغربية بقدر ما يمكن الحديث عن حضور خافت ومتفرق. فالمناسبة التي تشغل حيزا واسعا في الذاكرة الجماعية للمغاربة لم تتحول بعد إلى موضوع سينمائي مستقل. وبين واقع يحتفي بالعيد كل سنة وشاشة نادرا ما تمنحه موقع البطولة، تظل المسافة قائمة بين المجتمع وتمثلاته السينمائية. وربما تكشف هذه المسافة عن أحد الأسئلة المؤجلة في السينما المغربية: كيف يمكن تحويل طقس اجتماعي وديني بهذا العمق إلى مادة فنية قادرة على إنتاج رؤية جديدة للمجتمع المغربي؟