إلى متى سيظل قطاع السينما رهين منطق الإفلات من المحاسبة؟
وإلى متى ستبقى بعض شركات الإنتاج السينمائي تتصرف وكأنها فوق القانون، تضرب عرض الحائط قواعد السلامة، وحقوق التقنيين، وأخلاقيات المهنة، دون حسيب أو رقيب؟
حادثة وفاة تقني سينمائي داخل بلاطو تصوير ليست مجرد “حادث عرضي” كما يحاول البعض تصويره، بل هي جرس إنذار جديد يفضح اختلالًا عميقًا في منظومة الإنتاج، ويعيد طرح سؤال مؤجل بإلحاح: من يحمي العاملين في السينما؟ ومن يراقب من؟
لقد راكم القطاع، على مدى سنوات، ممارسات خطيرة، شركات إنتاج تشتغل دون احترام شروط السلامة المهنية، تقنيون بدون تأمين أو بعقود هشة، بلاتوهات تصوير تفتقر لأبسط معايير الوقاية، ومسطرة مراقبة شكلية، تُفعّل بعد وقوع الكارثة لا قبلها
ورغم وضوح النصوص القانونية، ظلت المحاسبة استثناءً، في مقابل تغوّل بعض الشركات التي استفادت من الدعم العمومي، والرخص، والتسهيلات، دون أن تقابل ذلك بالحد الأدنى من الالتزام القانوني والأخلاقي.
اليوم، والقطاع يعيش واحدة من لحظاته الأكثر حساسية، الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لتنظيف حقيقي وجريء، لا يقوم على منطق الانتقام، بل على منطق الإصلاح والملاءمة.
الحديث اليوم ليس عن إقصاء، بل عن، منح الحق في الملاءمة للشركات المواطنة، تشجيع المنتجين الذين يحترمون القانون وكرامة الإنسان، وإعادة ترتيب المشهد على أساس الشفافية والمسؤولية
فالملاءمة ليست إجراءً إداريًا فقط، بل رؤية جديدة تؤسس لقطاع مهني سليم، يربط الدعم بالرخص، والرخص بالالتزام، والالتزام بالمحاسبة.
إن أي إصلاح لا يمر عبر تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة سيبقى إصلاحًا شكليًا.
لا معنى لقوانين متقدمة إذا لم تُفعل.
ولا قيمة لخطابات التطوير إذا كانت حياة التقنيين تُهدر داخل مواقع التصوير.
إن حماية الأرواح يجب أن تكون أولوية مطلقة، تتقدم على الربح، وعلى ضغط الإنتاج، وعلى منطق “دبّر راسك”.
الكرة اليوم في ملعب المؤسسات الوصية، وعلى رأسها المركز السينمائي المغربي، التي تجد نفسها أمام اختبار حقيقي:
إما القطع مع منطق التساهل،
أو استمرار دائرة الصمت التي لم تنتج سوى المآسي.
السينما المغربية تستحق قطاعًا نظيفًا،
والتقنيون يستحقون الأمان والكرامة،
والقانون يجب أن يعلو على الجميع… بلا استثناء.