هيئة التحرير كلاب
في كل موسم من مواسم الإعلان عن نتائج الصفقات العمومية للإنتاج التلفزي، أو عقب كل دورة من دورات التسبيق على المداخيل الخاصة بالإنتاج السينمائي، يتكرر المشهد نفسه بشكل يكاد يكون نمطيا مشاريع لم تحالفها النتائج، تعقبها موجة من التشكيك في عمل اللجان، واتهامات جاهزة بالزبونية والمحسوبية وغياب الشفافية، وكأن الإقصاء في حد ذاته قرينة على الخلل، لا احتمالاً وارداً في سياق تنافسي تحكمه معايير واضحة.
غير أن قراءة هادئة وموضوعية لمسار القطاع السمعي البصري والسينمائي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة تكشف واقعًا مغايرًا تمامًا لهذا الخطاب التبريري. فقد عرف الإنتاج التلفزي الوطني، خاصة داخل القطب العمومي، تطورًا ملحوظًا على مستوى جودة المضامين، تنوع المواضيع، وتحسن المعالجة الدرامية والوثائقية، وهو ما انعكس مباشرة على نسب المشاهدة والإقبال الجماهيري داخل المغرب وخارجه.
فوفق معطيات مؤسسات قياس المتابعة، تصدرت قنوات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة (SNRT) نسب المشاهدة خلال مواسم برمجية متتالية، حيث تجاوزت بعض الأعمال التلفزية عتبة ثمانية ملايين مشاهد، إلى جانب حضور رقمي قوي عبر منصات البث التابعة للمؤسسة، مثل SNRT Live و Forja وموقع القناة الأولى وصفحاتها الرسمية على شبكات التواصل الاجتماعي.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة إصلاحات هيكلية شملت طريقة تدبير الصفقات العمومية، تحيين دفاتر التحملات، وتعزيز دور اللجان المختصة، التي باتت تشتغل اليوم وفق معايير دقيقة وموثقة، تراعي الجودة الفنية، الجاهزية التقنية، واحترام الشروط القانونية والإدارية، في إطار يضمن التنافسية وتكافؤ الفرص بين جميع المتقدمين.
والأمر ذاته ينسحب على منظومة التسبيق على المداخيل الخاصة بالإنتاج السينمائي الوطني، حيث أصبحت لجان الدعم تشتغل ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح، يستند إلى تقييم شامل للمشاريع، يشمل السيناريو، الرؤية الإخراجية، قابلية الإنجاز، التوازن المالي، والانسجام العام للملف الفني. وهي معايير لا تقبل المجاملة ولا تخضع للضغط أو الحملات الظرفية.
وتؤكد معطيات من داخل القطاع أن عددًا مهمًا من المشاريع التي لم تحظَ بالدعم أو لم تمر في الصفقات العمومية، لا يعود إقصاؤها إلى “نية مبيتة” أو “محاباة”، بل إلى اختلالات واضحة، من بينها ضعف السيناريوهات، غياب التطوير الدرامي، هشاشة الرؤية الفنية، أو عدم استكمال الملفات الإدارية والتقنية وفق ما تنص عليه دفاتر التحملات.
واللافت أن بعض الأصوات التي ترفع اليوم شعار “غياب الشفافية” هي نفسها التي استفادت في فترات سابقة من الدعم العمومي أو من الصفقات، دون أن تطرح حينها أي إشكال حول نزاهة اللجان أو مصداقية المساطر، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول انتقائية الخطاب وازدواجية المعايير في التعاطي مع نتائج التقييم.
إن المال العمومي، سواء في الإنتاج التلفزي أو السينمائي، يفرض منطقًا صارمًا قوامه الجودة، النجاعة، والمساءلة، لا منطق الامتيازات أو الحق المكتسب. كما أن النقد، حين يكون مبنيًا على معطيات دقيقة وملاحظات مهنية، يظل ضروريًا وصحيًا، لكنه يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى أداة لتبرير الإخفاق أو تصفية الحسابات.
إن ما يحتاجه القطاع اليوم ليس التشكيك المجاني، بل مراجعة ذاتية حقيقية، واستثمار أكبر في تطوير السيناريوهات، التكوين المستمر، ورفع مستوى الاحترافية، حتى تكون المنافسة على الدعم والصفقات انعكاسًا لتطور فعلي في جودة الأعمال، لا مجرد سباق نحو اتهام اللجان بعد كل إعلان للنتائج.