هشام الودغيري
مع 2026، دخل القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وبإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي حيز الممارسة، القانون هذا، كما يعلم الجميع، نزل بقرار سياسي أكثر منه مهني.
من هذا المنطلق، وعلى وقع حال ممارسة جُل نقاد السينما بالمغرب، يُلاحظ ابتعاد نُفوري عن مصطلح “سِياسي” بأبجديات نقد السينما المغربية في جانبها التشريعي والتدبيري. الشيء غير الموضوعي وغير المنهجي نقديا، لكون الفاعل السياسي بالمغرب هو من يتحكم في الميدان، تشريعًا وتدبيرًا وآمرا بالدعم، على نقيض ما يُمارَس هناك وراء البحر وبشكل حكيم غير متحكِّم. لذا على النقاد الاجتهاد في مقاربة الشأن السينمائي من باب الفِعل السياسي، لما في ذلك من أثر بالغ على عملية الإنتاج السينمائي برمتها.
بموازاة مراجعة فيلم مغربي “ما”، لا بد من التطرُّق أحيانا نقديا للسياسة السينمائية بالمغرب، بعدسة سياسية و/أو قانونية، خاصة تلك التي تُعتبر سياسة عمومية تهم “الإشعاعية” أو “الصناعة الثقافية”، غورًا وكشفًا لأثر الفاعل الحكومي بالميدان على كل منتوج فيلمي ومناخه الصناعي العام.
النقاش حول أثر التشريع على ميدان “ما” هو قديم قِدم تقنين أي ممارسة بشرية، سواء دينية، أو سياسية، أو صناعية أو غيرها.
في الإطار السينمائي الذي نحن بصدده، ليس بالبساطة بما كان الغور في المسألة، إذ الميدان يَأخذ في الحسبان بالخصائص السينمائية المُميِّزة للأفلام المغربية، وكِتابتها، وإخراجها، من حيث مِخيال تصوُّر وتصوِيرها للمجتمع المغربي بكل أطيافه، بُغية إفراز التميُّز (كقيمة مضافة) بصناعة ثقافية وطنية.
في محاولتي هاته، أضع السبابة على أثر الفِعل السياسي ب”السياسية السينمائية المغربية” اليوم، في ظل الوضع القائم الذي يشتغل فيه وبشكل عشوائي، وفي حالة انفصامه عن روح التشريع، سواء دستوريا أو تطبيقيا، حيث غابت عن “السياسي” و”الإداري” أشياء جوهرية وهما يَدْبِجان صياغة القانون رقم 18.23.
بهذا الصدد، رصدت عدة عيوب منهجية غابت عن خلفيات طرح القانون كمشروع مجتمعي تثقيفي، ترفيهي وصناعي، مثلًا بتغييبه (لست أدري هل جهلا أم إرادة؟!) ل:
تحديد مفهوم النوع السينمائي المناسب دعمه وطنيًا،
الأخذ في الحسبان بتوقُّعات الجمهور الهُوِيَّاتِيَة على هدي نص دستور المملكة الشريفة،
الإشراك في المعادلة خيارات صُناع الأفلام والمشتغلين في فلكهم من نقاد، ومستشهرين، ومستثمرين، وجماعات محلية، وهيآت استشارية عليا، ومعاهد فنية عامة وخاصة وغيرها.
كما غابت عن المُدبِّر والمُسيِّر، بديهيات أوَّلويات تراتُبية القوانين ونبذ الازدواجية القانونية، من حيث إخلالهما (مثلًا) ب:
الانضباط للتشريعات والقوانين والمراسيم الجاري بها العمل،
الالتزام بميثاق شرف أخلاقي/مهني (ولو غير مكتوب)،
الاصطفاف للميثاق الحكومي.
يقودنا ذاك إلى تبيان مدى أثر الشوائب الحاصلة بالتشريع الحالي على حال سينمانا، أخص هنا بالذكر معضلة “استغلال القاعات السينمائية” الذي زادها القانون رقم 18.23 بلة فوق بلة (المادة 61)، والذي أوقع حيفا كبيرا بحِصص توزيع الفيلم المغربي بالقاعات السينمائية، من حيث عدم ضبط صياغة قانونية صريحة لنسبة معتبَرة للأفلام المغربية تفوق على الأقل 25% (مقاربة لعدد الإنتاجات المدعمة والجاهزة سنويا) من مجموع الأفلام الأجنبية المعروضة حيث أتى النص ب[برمجة عرض الأفلام السنيمائية المغربية: 3 أو 4 أو 5 أفلام على الأقل في السنة، لا تقل عن أسبوع واحد أو إثنين بالنسبة للقاعات أقل من 5 شاشات، مع ترك المسألة مفتوحة للقاعة السينمائية التي تضم أكثر من خمس شاشات بتخصيص شاشة واحدة]، دون تحديد لا المدة الزمنية ولا الحد الأدنى في الفقرة الأخيرة من المادة، بالتالي أصبحت مادة قاتلة للفيلم المغربي بمنطوق النص التشريعي، خصوصا عند تصادف جاهزية أو إعادة عرض أكثر من 5 أفلام مغربية بموسم واحد، مما يقتل حَضَّ كل طرح لفيلم قادم جديد؛ مع تسجيل صمت قانوني مطبق عن حَصيص الأفلام المغربية بالقاعات المُدعمة وكذلك بخصوص حصة الفيلم القصير من كل ذلك).
حتى صيغة مدخل المادة 61 “يتعين على مستغل كل قاعة سينمائية أن يقوم ببرمجة عرض الأفلام السنيمائية المغربية” بها ضبابية قانونية خطيرة من حيث الإشارة ل” أن يقوم ببرمجة عرض الأفلام”، فهي تمكِّن مستغل القاعة قانونيا ب”برمجة” الفيلم المغربي دون عرضه بالمطلق الصريح إذا أراد ذلك.
كما أُسطِّر على خطورة أثر التمادي في عدم الالتزام بالقوانين الجاري بها العمل من طرف الأجهزة التنفيذية للوزارة الوصية، الأثر هذا الذي يفتح الباب أمام كل التجاوزات، سواء كشطط إداري، أو كتجاوزات مهنية، مما ينعكس سلبًا على كل عملية إنتاجية للإبداع السينمائي، من الكتابة حتى العرض.
بالتالي، فكل مظاهر تجسيد سياسة الشطط والتجاوزات مع التمادي فيهما، تنعكس سلبًا على كل ممارسة مهنية وإبداعية حقة، فهي تُديم (مثلا) أسلوب التعامل على حسب “رأس الزبون”، وهو الشيء المَعيب، بجانب نهج المقاربات التعسفية L’arbitraire، وهو خيار تدبيري أرعن استدام لعقود لدرجة التَّكريس والمَأسَسة، مما سمح بشيوع تدني مستوى سينيمانا (فقدان الجودة المهنية المرجوة).
نظريا، السياسة في المقام الأول هي عملية حوارية وتمثيلية. عمليا، الأمر يُعالج ثقافيا وسينمائيا بشكل مختلف (الاستثناء الثقافي ادعاءً)، إذ ترتبط ممارس الشأن السينمائي المغربي (واقع حال) بالاستخدام المباشر لقوة الضغط التَّرَاتُبِي، إداريا وعُرفيا، بسلك أداة التعليمات الكتابية منها والشفوية، التي لا تخلو من صِدق نوايا ظاهري، على أنه يُغَلِّف شتَّى أشكال النِّفاق والمحسوبية الخرقاء Népotisme، مع نهج ازدواجية الأساليب المتناقضة تمامًا، وكمثال:
قصة غرائبية دعم سيناريو عن المقاوم أحمد الحنصالي،
عجائبية حكاية 150 قاعة وكيفية تنزيلها،
قدرية إنزال تعيين مدير معهد السينما السابق،
عبثية تسجيل سبق أول لخرق مادة بقانون رقم 18.23 من طرف وزير القطاع نَفْسَه.
تلك لعمري، قليل من كثير أسباب بنيوية تُعيق تطوُّر وتطوير الصناعة السينمائية المغربية.
في ذلك أضيف مثلا أخيرا، وأقتصر فيه فقط على الجانب الترويجي للفيلم المغربي بالمغرب، فماذا قَدَّم المُشَرِّع بهذه الخانة لإضفاء أيتها قيمة مُضافة للفيلم المغربي، قصيرا كان أم طويلا، أو الذي يدخل في خانة الثقافة الحسَّانية؟ سواء في ميزانية دعم الإنتاج، أو بميزانية تمثيلية المغرب بالمهرجانات الدولية، أو في تفعيل الحقِّ الدستوري بالبرمجة في قنوات الإذاعات والتلفزات العمومية؟ (لاحظت غيابا جليا للفيلم السينمائي المغربي [الأشرطة التلفزية ليست بأفلام سينمائية] ببرمجة رمضان 2026 في قنوات التلفزات العمومية، وهو في حد ذاته ضرب صارخ للسياسة العمومية في الشأن السينمائي بالمغرب، ولكل النوايا الحميدة للوزارة الوصية في ميدان الصناعة السينمائية الوطنية).
مع حلول 2026، تَمَّ نسبيا حل معادلة “ابتعاد نفوري عن مصطلح “سياسي” في أبجديات جُل نقاد السينما المغربية” من طرف ممثلات وممثلو الأمة تحت قبة البرلمان، حيث تم تقديم عدة أسئلة كتابية وشفهية، نابَت عن المهنيين والمعنيين في التسطير على بعض الاختلالات المتفاوِتة طرحا، أتت على الشكل التالي (من الأحدث إلى الأقدم):
عن “تغييب الغرف المهنية عن المشاورات المرتبطة بتنظيم المهرجان الوطني للفيلم وتمثيل المغرب في أسواق الفيلم الدولية”، مُقدم من طرف النائبة نادية تهامي، مُمثلة فريق التقدم والاشتراكية؛
عن “وضعية البنيات السينمائية بمدينة وجدة وسبل دعم إحداث مركبات سينمائية جديدة”، مُقدم من طرف النائبة فاطمة الزهراء باتا، مُمثلة المجموعة النيابية للعـدالة والتنـميـــة؛
عن “تدهور وضعية الفنان المغربي وتغول الميوعة في المحتوى الرقمي والسمعي البصري”، مُقدم من طرف النائب محمد والزين، مُمثل الفريق الحركي؛
عن “ملابسات مشروع المدينة السينمائية وتحويله من ورزازات إلى بنسليمان”، مُقدم من طرف النائبة سلوى البردعي، مُمثلة المجموعة النيابية للعـدالة والتنـميـــة؛
عن “دعم صناعة الفيلم الوثائقي المغربي”، مُقدم من طرف النائب طارق حنيش، مُمثل فريق الأصالة والمعاصرة؛
عن “قانونية تعيين لجنة البطاقة المهنية وإصدار البطاقات السينمائية”، مُقدم من طرف النائب المهدي العالوي، مُمثل الفريق الاشتراكي – المعارضة الإتحادية؛
إضافة لأسئلة شفهية:
عن “توظيف الدراما والسينما المغربية في الترويج السياحي للمغرب”، مُقدم من طرف النائب عبد اللطيف الزعيم، مُمثل فريق الأصالة والمعاصرة؛
عن “حصيلة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ودعم إنتاجاتها الثقافية”، مُقدم من طرف النائبة فطيمة بن عزة، مُمثلة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية؛
أي، بمجموع ثمانية 8 أسئلة، من بداية سنة 2026 لغاية اليوم، وهي أسئلة تمثيلية معتبرة لسبعة 7 أحزاب، بما فيها أحزاب الأغلبية الحكومية وفيها حزب الوزير المعني بقطاع السينما، التمثيلية التي تنم عن الاهتمام المتزايد مجتمعيا بالشأن السينمائي، ومدى انعكاس أصداء اختلالاته الهيكلية داخل المجلس التشريعي الأسمى بالبلاد، الذي يعمل أيضا على مراقبة عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية بالبلاد قصد تصويبها.
عمومًا، نقاش “صناعة الفيلم وطنيا” لا زال مطروحا وعلى أكثر من جبهة بشكل مُلِح (ويجب أن يظل كذلك، لمسايرة دينامية المجال محليا ودوليا). المسألة عندي ترتبط أساسا بالانضباط لمبدأ التشاركية المنصوص عليه دستوريا في كل تخطيط لسياسة عمومية، ثانيا الالتزام بمنطوق القوانين والمراسيم، سواء الرسمية منها أو الجمعوية.
فهل ستستمر حليمة في عادتها القديمة وبنفس أسلوب النعامة مع سياسة الهروب للأمام؟
أشير هنا إلى مفارقة فريدة غريبة عجيبة أخرى تعيشها كل من الوزارة الوصية والمركز السينمائي المغربي، بخصوص الجمعية المسماة “مؤسسة المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما”، فهناك خلل (من بين آخرين) بقانون الجمعية في المادة 14، حيث تنُصُّ على: “.. الرئيس التنفيذي .. آمرا بالصرف، يتولى توقيع المستندات والشيكات الخاصة بالمصارف بمعية الكاتب العام للمؤسسة”، وهو أمر غير قانوني بالمرة، فأين هو رئيس الجمعية، وأين هو أمين مال الجمعية المفروض وجوبا في هيكلة الجمعيات؟ (لا وجود لمنصب الأمين العام ولا لنائبه بقانون الجمعية).
إضافة لعدم التزام كل من “الرئيس التنفيذي” و”الكاتب العام” للمكتب التنفيذي للجمعية إياها لمنطوق المادة الثامنة عشرة 18 من قانون الجمعية، التي تنص على إجراء “حسابات سنوية” مصادق عليها من طرف مكتب محاسبات معتمَد، حيث لا جمع عام انعقد منذ أكثر من سنتين، ولا تقارير كُتبت، ولا تقرير محاسباتي جُرِد (وفق المادة الرابعة عشرة)، بالتالي فالجمعية تعمل خارج القانون وتصرف المال العام دون سَنَدٍ قانوني ولا جمعوي.
وهنا أتسائل: كيف تتم عملية تلقي الجمعية للدعم المالي العمومي من الجهات الحكومية (وفقا للباب الثامن والمادة السادسة عشرة) دون تقديم محاسبة موقَّعة من طرف محاسِب معتمَد لديها كما تفرضها المادة 87 من القانون 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، وكما يؤكد عليها الفصل 32 من الظهير الشريف رقم 1.58.376 الذي يُضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات؟
أحيانًا، أنهج السكوت أمام هفوات مسطرية طفيفة، أو صرف لمال عام على إسراف خفيف، فقط من باب غض النظر و”دعها تسير”، لكن أن يكون الخلل بنيويًا (حالة جمعية المعهد، مثلا صارخة) والتمادي فيه، فهذا أمر غير مقبول لا سياسيًا، ولا إداريًا، ولا مهنيًا ولا أخلاقيًا.
سينيمانا اليوم أمام تحديات أخلاقيات المهنة (سياسة، إدارة ومهنيين)، وأمام سوء أحوال توزيع وترويج لأفلامنا بين جمهورنا (أنا مع عرض جميع الأفلام والشرائط المغربية، خاصة المدعمة من المال العام، مهما كان بها من إنتاج تافه)؛ ففي العرض الغزير والمتواصل، سنفتح مجالا صِحِّيًا لمناقشة منتجاتنا فنيا وتقنيا وسياسيا، من أجل الوقوف على مكامن القوة بها وتشجيعها، وللتنبيه على الهفوات التي تعتريها في أفق تصويبها، وطبعا سياسيًا لرصد مكامن الخلل في التدبير والتسيير لتصحيح المسار؛ فالعروض السينمائية الكثيفة والمواكَبَة بمناخ ثقافة النقد البناء، هما الكفيلان بخلق “رأي عام/جمهور” مواكِب ومتلهِّف للمنتوج الفيلمي الوطني (خلق الطلب créer la demande هو هدف استراتيجي لكل صناعة “ما” بالمقام الأول).
هذا لا يعفي المهنيين من تنظيف بيتهم/جمعياتهم من طفيليات عمَّرت في زيغها عن المهنية الحقَّة، طفيليات تدَّعي الحِرفية والفنية والدِّراية، وما هُم سوى معاول لهدم المنظومة من الداخل، من أجل أهداف شخصية رخيصة ودنيئة ضربت ولا زالت تضرب سينيمانا من الداخل وفي عمق العملية الإبداعية.
إن حضور صوت السِّياسَوي الدائم، العلني والمستتر والأجنبي، انكشفتا عدم ونهاية صلاحيته في كل عملية تخطيط للرقي بالميدان ومواكبة المهنيين في تطوير قطاعهم.
هنا أتذكر ما قاله لي يومًا الصحفي، المفكر والأديب الإسباني دفين العرائش خوان غويتيسولو لروحه السلام:
“يمكنك هَدْم جامع لفنا بقرار إداري، لكن لا يمكنك إقامة جامع لفنا بقرار إداري”،
فقس سينمائيا على ذلك.
كفانا عبثا، كفانا شخصنة، كفانا تفاهة، كفانا من سياسة إخوة يوسف، كفانا من السنين العجاف، فقوتنا كامنة في ضعفنا.