في تتويج مستحق يعكس مسارًا فنياً متصاعدًا، حاز المخرج السينمائي عمر ميارة على الجائزة الكبرى ضمن المسابقة الرسمية للدورة الرابعة عشرة من المهرجان الوطني للسينما والصحراء بآسا، وذلك عن فيلمه الوثائقي “أمنات عيشاتة”، الذي لقي إشادة واسعة من طرف لجنة التحكيم.
وقد جاء هذا التتويج بعد إجماع أعضاء اللجنة على القيمة الفنية والجمالية التي يحملها العمل، حيث ينسج الفيلم رحلة سينمائية عميقة عبر الزمن، مستحضرًا ذاكرة عائلة فنية عريقة ساهمت في تشكيل جزء مهم من التراث الموسيقي الحساني. ويقارب العمل مسار فرقة “أمنات عيشاتة”، التي تركت بصمتها في تاريخ الفن الصحراوي، من خلال سرد بصري يحافظ على روح الأصالة ويعيد إحياء تفاصيل منسية من الذاكرة الجماعية.
ولا يقف الفيلم عند حدود التوثيق، بل يتجاوز ذلك إلى استكشاف الذاكرة الشعبية لمنطقة وادنون، خاصة فضاء تيغمرت، الذي شكّل الحاضنة الأولى لبدايات الفرقة منذ مطلع القرن الماضي. وقد نجح المخرج في تقديم معالجة سينمائية دقيقة تحترم خصوصية المكان وعمق رمزيته الثقافية، في توازن لافت بين الجمالية البصرية والبعد التوثيقي.
ويبرز “أمنات عيشاتة” كعمل متكامل من حيث الرؤية الإخراجية، حيث اعتمد عمر ميارة على لغة بصرية راقية وأسلوب سردي انسيابي، مدعوم بفريق تقني وفني محترف، ما منح الفيلم قوة تعبيرية وانسجامًا مع تيمته الفنية. ويعكس هذا العمل نضجًا واضحًا في التجربة الإخراجية للمخرج، وقدرته على الاشتغال على مواضيع الهوية والذاكرة بأسلوب سينمائي معاصر.
ويُعد عمر ميارة من الأسماء البارزة في المشهد السينمائي المغربي، خاصة في مجال الاشتغال على الثقافة الحسانية وقضايا الصحراء المغربية، حيث راكم تجربة مهمة في مجالي السيناريو والإخراج، وساهم في ترسيخ حضور اللغة الحسانية داخل التعبير السينمائي.
ويكرّس هذا التتويج مكانة المخرج ضمن جيل من السينمائيين الذين يراهنون على استحضار الذاكرة الثقافية وتثمينها سينمائيًا، في أفق بناء سينما مغربية متعددة الروافد، متجذرة في هويتها ومنفتحة في الآن ذاته على أفق إبداعي أرحب