في الرابع عشر من ماي من كل سنة، يخلد الشعب المغربي بكل فخر واعتزاز ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية، وهي المناسبة الوطنية التي تشكل محطة لاستحضار واحدة من أهم المؤسسات السيادية التي واكبت بناء الدولة المغربية الحديثة، وأسهمت منذ تأسيسها سنة 1956، بأدوار محورية في حماية الوحدة الترابية للمملكة، وصيانة الأمن والاستقرار، والدفاع عن الثوابت الوطنية والمقدسات الدستورية.
وعلى امتداد سبعين سنة، ظلت القوات المسلحة الملكية، تحت القيادة الرشيدة والمتبصرة للملوك الثلاثة؛ المغفور له محمد الخامس، وباني المغرب الحديث جلالة المغفور له الحسن الثاني، وصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تجسد نموذجا للمؤسسة الوطنية المنضبطة والمتشبثة بقيم الوطنية والاحترافية والجاهزية العالية.
غير أن الأدوار التاريخية للقوات المسلحة الملكية لم تتوقف عند حدود الوظيفة الدفاعية والعسكرية، بل امتدت لتشمل أبعادا تنموية وإنسانية وثقافية متعددة، في إطار رؤية شمولية تجعل من المؤسسة العسكرية شريكا أساسيا في مسار التنمية الوطنية وتعزيز الإشعاع الحضاري للمغرب. ومن بين أبرز المجالات التي ساهمت فيها القوات المسلحة الملكية بكفاءة ومسؤولية، يبرز دعم الصناعة السينمائية الوطنية والدولية بالمغرب، باعتبارها قطاعا استراتيجيا يعكس صورة المملكة وثقافتها وتاريخها أمام العالم.
القوات المسلحة الملكية والسينما… شراكة قائمة على الثقة والانضباط
لقد استطاع المغرب، بفضل استقراره السياسي والأمني وموقعه الجغرافي وتنوعه الطبيعي، أن يتحول إلى إحدى أهم الوجهات السينمائية العالمية. غير أن هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا وجود منظومة مؤسساتية متكاملة، لعبت فيها القوات المسلحة الملكية دورا محوريا وحاسما.
فمنذ سنوات طويلة، ساهمت القوات المسلحة الملكية في مواكبة عشرات الإنتاجات السينمائية الكبرى، من خلال توفير الدعم اللوجستي والتقني الضروري، بما يحفظ دائما السيادة الوطنية وصورة المؤسسة العسكرية المغربية، ويخضع للقوانين والضوابط المعمول بها داخل المملكة.
وقد شكل هذا التعاون نموذجا فريدا للتنسيق المؤسساتي المسؤول، حيث وفرت القوات المسلحة الملكية، وفق ضوابط دقيقة، إمكانيات مهمة تتعلق باستخدام بعض المواقع العسكرية أو المعدات أو الخبرات التقنية التي تتطلبها الأعمال السينمائية ذات الطابع التاريخي أو الحربي، مع الحرص التام على احترام الثوابت الوطنية، وعدم المساس بصورة المؤسسة العسكرية أو أسرارها الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، نجحت المملكة المغربية في استقطاب إنتاجات سينمائية عالمية ضخمة، صورت أجزاء مهمة منها فوق التراب المغربي، مستفيدة من البنيات التحتية الوطنية، ومن الاستقرار الذي تنعم به البلاد تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.
تعزيز صورة المغرب كوجهة سينمائية آمنة
لقد أصبحت القوات المسلحة الملكية، بشكل غير مباشر، أحد العوامل الأساسية التي عززت ثقة شركات الإنتاج العالمية في المغرب كوجهة آمنة ومستقرة للتصوير السينمائي. ففي عالم يشهد اضطرابات أمنية متزايدة، يظل عامل الأمن والاستقرار حاسما في قرارات الاستثمار السينمائي الدولي.
ومن هذا المنطلق، ساهمت المؤسسة العسكرية المغربية، إلى جانب مختلف الأجهزة الأمنية، في تكريس صورة المغرب كبلد ينعم بالأمن والانضباط المؤسساتي، ما جعل مدنا مغربية مثل ورزازات، والرشيدية، ومراكش، والداخلة، وطنجة، تستقطب كبرى شركات الإنتاج العالمية.
كما ساهم هذا الحضور السينمائي الدولي في خلق فرص شغل مهمة لفائدة الشباب المغربي، وتنشيط الاقتصاد المحلي، ودعم السياحة الوطنية، وتعزيز إشعاع الثقافة المغربية عالميا، وهو ما ينسجم مع الرؤية الملكية الرامية إلى جعل الثقافة والصناعات الإبداعية رافعة للتنمية.
السينما الوطنية وتوثيق الذاكرة العسكرية المغربية
إلى جانب دعم الإنتاجات الدولية، ساهمت القوات المسلحة الملكية في تشجيع الأعمال الوطنية التي توثق للذاكرة العسكرية المغربية، وتستحضر بطولات الجنود المغاربة في الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية.
وقد شكلت السينما والوثائقيات الوطنية وسيلة مهمة لنقل قيم الوطنية والتضحية والانتماء للأجيال الصاعدة، من خلال تسليط الضوء على ملاحم تاريخية بارزة، وعلى الدور الإنساني والاجتماعي الذي تضطلع به القوات المسلحة الملكية داخل المغرب وخارجه.
كما تعكس هذه الأعمال حجم الاحترافية والانضباط الذي تتميز به المؤسسة العسكرية المغربية، ومساهمتها في عمليات حفظ السلام الدولية، وفي جهود الإغاثة الإنسانية، والتدخلات الميدانية خلال الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية.
مؤسسة سيادية في خدمة الوطن
إن الحديث عن القوات المسلحة الملكية يظل مرتبطا قبل كل شيء بمؤسسة سيادية وطنية، جعلت من الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية عقيدة ثابتة لا تقبل المساومة. ومن هذا المنطلق، فإن مساهمتها في دعم الصناعة السينمائية يندرج ضمن رؤية مؤسساتية متوازنة، تراعي أولا وأخيرا المصالح العليا للمملكة، وتحافظ على هيبة المؤسسة العسكرية واحترامها.
فالقوات المسلحة الملكية لا تتعامل مع المجال الثقافي باعتباره مجرد نشاط ترفيهي، بل تنظر إليه كوسيلة لتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ صورة المغرب الحضارية، والدفاع عن تاريخه وقضاياه العادلة عبر أدوات القوة الناعمة.
سبعون سنة من الوفاء والالتزام
وفي الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، يجدد المغاربة اعتزازهم بهذه المؤسسة الوطنية العريقة، التي ظلت عبر العقود مدرسة في الوطنية والانضباط والتفاني في خدمة الوطن.
سبعون سنة من التضحيات الجسام، ومن اليقظة الدائمة دفاعا عن السيادة الوطنية، ومن الالتزام الراسخ تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي يواصل تحديث وتطوير القوات المسلحة الملكية، وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.
إنها ذكرى وطنية خالدة، نستحضر فيها بكل فخر الدور التاريخي والحضاري للمؤسسة العسكرية المغربية، باعتبارها درعا للوطن، وسندا للاستقرار، وشريكا في بناء مغرب قوي، آمن، ومشع حضاريا وثقافيا.