هيئة التحرير
أثار شروع المركز السينمائي المغربي خلال الفترة الأخيرة في نشر صور وأسماء بعض المنتجين السينمائيين، مرفقة بأسماء شركاتهم والتعريف بمساراتهم المهنية عبر منصاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، نقاشًا مهنيًا متزايدًا داخل الأوساط السينمائية، حول حدود التواصل المؤسساتي، ومدى انسجامه مع مبدأ الحياد المفترض في تدبير مرفق عمومي يُناط به تنظيم قطاع السينما بمختلف أبعاده.
ويُعد المركز السينمائي المغربي مؤسسة عمومية ذات طابع تنظيمي، تضطلع بمهام استراتيجية متعددة، من بينها تأطير الصناعة السينمائية، منح تراخيص التصوير، تنظيم الاستغلال السينمائي، الإشراف على آليات الدعم، والسهر على احترام القوانين المؤطرة للقطاع، وهو ما يجعل من مسألة الحياد والإنصاف عنصرًا جوهريًا في مختلف تدخلاته، وليس فقط في ما يتصل بالدعم العمومي.
خطوة غير مسبوقة وتساؤلات مشروعة
تكتسي هذه الخطوة طابعًا غير مسبوق من حيث الشكل والتوقيت، إذ لم يسبق للمركز أن اعتمد، بشكل معلن، سياسة تواصلية تقوم على إبراز فاعلين بعينهم دون غيرهم، خاصة في غياب توضيح رسمي يحدد أهداف هذا الترويج، أو المعايير المعتمدة في اختيار الأسماء والشركات التي حظيت بهذا التعريف.
هذا الغموض فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان هذا السلوك التواصلـي، حتى وإن لم يكن مقصودًا، قد يُفهم على أنه شكل من أشكال المحاباة أو التمييز الإيجابي غير المبرر، بما قد يمس بمبدأ المساواة بين مهنيي القطاع.
تزامن يفرض التحفّظ
وتتعزز هذه التساؤلات مع تزامن نشر هذه المعطيات مع مرور بعض المنتجين المعنيين أمام لجنة دعم الأعمال السينمائية، في سياق تُفترض فيه أقصى درجات التحفظ المؤسساتي، تفاديًا لأي تأثير مباشر أو غير مباشر، أو حتى أي انطباع قد يُفهم على أنه مساس بحياد المساطر الجارية.
ولا يتعلق الأمر بإثبات تأثير فعلي، بقدر ما يرتبط بمبدأ أساسي في تدبير المرافق العمومية، يتمثل في تفادي كل ما من شأنه خلق شبهة المحاباة أو الإخلال بتكافؤ الفرص، باعتبار أن الثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط على سلامة القرار، بل أيضًا على سلامة السياق الذي يُتخذ فيه.
الإطار الدستوري والقانوني الناظم
يؤكد الفصل 6 من دستور المملكة المغربية على مبدأ المساواة أمام القانون، وإلزامية خضوع الجميع، بما في ذلك المؤسسات العمومية، لمقتضياته دون تمييز.
كما ينص الفصل 36 من الدستور على محاربة كل أشكال استغلال النفوذ والمحاباة، باعتبارها ممارسات تمس بثقة المواطنين في الإدارة وتخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
ويُعد الفصل 154 من الدستور حجر الزاوية في هذا السياق، إذ يقرّ بأن:
«المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتُؤمِّن المساواة بين المرتفقين، وتستمر في أداء خدماتها وفق مبادئ الإنصاف وعدم التمييز».
ويعزز هذه المبادئ ميثاق المرافق العمومية (القانون رقم 54.19)، الذي يُلزم الإدارة العمومية، في سلوكها وتواصلها، باحترام الحياد، والنزاهة، والشفافية، والمعاملة المتساوية لجميع المرتفقين دون استثناء.
التواصل المؤسساتي وحدوده القانونية
لا يثار أي نقاش حول حق المؤسسات العمومية في التواصل والتعريف بأدوارها، غير أن هذا الحق يظل مقيدًا بواجب التحفظ والموضوعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تنظيمية تُمسك بمفاتيح حيوية داخل القطاع، من تراخيص التصوير إلى التأطير القانوني والمالي للأنشطة السينمائية.
فالتواصل المؤسساتي، حين يفقد طابعه العام والمتوازن، قد يتحول – ولو دون قصد – إلى عنصر يُفهم على أنه تفضيل أو محاباة، وهو ما يتعارض مع روح الدستور ومبادئ الحكامة الجيدة.
الحاجة إلى توضيح يعزز الثقة
في ظل هذا السياق، يظل التوضيح المؤسساتي من طرف المركز السينمائي المغربي خطوة ضرورية، ليس من باب الدفاع أو الاتهام، بل من أجل صون الثقة في مؤسسة محورية تُشرف على قطاع إبداعي حساس، وتؤثر قراراتها وممارساتها بشكل مباشر في المسارات المهنية للعديد من الفاعلين.
فحماية مبدأ الحياد وتكافؤ الفرص لا تتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر ممارسة يومية واعية، وتواصل مسؤول، يضمن أن يظل المرفق العمومي فضاءً مشتركًا، مفتوحًا، ومنصفًا لجميع مهنيي السينما على قدم المساواة.



