هشام الودغيري
ازدهار بيئتنا الثقافية يتوقف على مقدار بُروز طيف إبداعاتها المتنوعة في مختلف الميادين، كفن التشكيل، المسرح، السينما، التصوير، الشعر، والرواية وغيرها. يقول إنغمار بيرغمان: “لا يوجد فنٌّ مثل السينما يخترق وعينا في حالة اليقظة، ليلامس مشاعرنا في غرفة شفق روحنا”، بمذكراته “الفانوس السحري”.
عودة لِمَرَد ضعف سينمانا الناتج من وعن هشاشة وشحوب طيف إبداعنا الجمعي، إضافة لشيوع عبث إداري ومهني يغلب فيه جهلٌ بنيويٌ للعملية الإبداعية التي تظل السينما الحقة جامعة لكل تعابيرها الفنية، لا بد من الإقرار مضضًا أن ضعفها ناتج جوهرا عن نمط هشاشة وفقر الرؤية الفنيةالتي تسود مقاربة أشباه مبدعين، وهم (وهن) مجرد مدعين وعابثينبالمشهد الإبداعي المغربي، وأساسا عن انكماش مصادر التمويل المحتضِنة لها (كل منظومة مَّا، هي متكاملة إما في عوامل النجاح، أو في أسباب الفشل Critical Success or failure Factors).
في غمار خيبتي من الإنتاجات الرمضانيسية (من النسيان) التافهة، استعادني جوي الشخصي للحظة الحنين بإعادة مشاهدة دُرر السينما الإيرانية (مثل “البالون الأبيض” لجعفر بناهي وسيناريو عباس كياروستامي، إنتاج 1995 – “أغنية العصافير” لمجيد مجيدي، إنتاج 2008 – “شيرين” لعباس كياروستامي، إنتاج 2008)، ووقفت شاخصًا عند فيلم وثائقي-روائي كان أول نبتة في زرع الموجة الجديدة بالسينما الإيرانيةالحديثة، قبل عصر المرشد الخُمَيْنِي الذي دُشِّن بحظْر السينما وحرق دور العرض، إلى أن جاءت بركاته وهو يشاهد فيلم “البقرة” ويستحسنه(لدرايوش مهرجوي، سيناريو غلام حسين السعدي مقتبسا من مسرحيته، إنتاج 1969 – يعتبره العديد من النقاد بأنه أول فيلم من الموجة الإيرانية الجديدة)، فسمح باستئناف إنتاج الأفلام بعد 1983، ولكن ضمن حدود تحفُّظ وتوجه النظام العام التي تتوافق مع الأخلاق والمذهب الشيعي.
أعدْت مشاهدة الفيلم الوثائقي-الروائي “الدار سوداء – The House is Black”، 22 دقيقة، إنتاج 1963، الفيلم الأوحد للشاعرة الإيرانية الشهيدة فُروغ فَرُخزاد Forugh Farrokhzad (1934- 1967)، وكم كانت دهشتي وأنا أتأمل راهنية العمل على بساطته التقنية (صور ب16 مم)، وعمق طرحه التوثيقي الإثنوغرافي بجانبه اعتماده لرؤية شاعرية رهيفة.
“الدار سوداء”، فيلم وثائقي/روائي عن الحياة اليومية للمصابين بالجذام الذين يعيشون في معزل/مشفى “بابا باغي” بقرية قرب مدينة تبريز شمال إيران. وثائقي شاعري يولِّد الجمال من بشاعة القبح، وثيقة روحية عن مجتمع مصغَّر مُبْعَد عن المجتمع ومعزول عنه، قدَّمته الشاعرة فُروغ فَرُخزاد في صورة مجازية للمجتمع المهمَّش المسحوق الذي تعصف به الخُرافة والجهل والاستبداد (زمن الشاه)، في مناخ تتفشى فيه الأمراض الاجتماعية والسياسية المخفية والمسكوت عنها.
في شريط/وثيقة جمع بين المختصر والمفيد (22 دقيقية)، والأبيض والأسود الكاشف، يُبحر المشاهد في سينما بصرية ومُبصِرة للإنسان المهمَّش، أبطالها مرضى حقيقيين بوجوه متقيِّحة وأعضاء مبثورة، تكتبه الكاميرا بأسلوب برغماني (Ingmar Bergman)وتقطيع سردي أيزنشتايني(Sergueï Eisenstein) لولوجٍ مباشر غير عنيف إلى معاناة الإنسان في أبشع تجلياتها، مع الحفاظ على سلاسة جمالية سردية بليغة وصادقة، نابعة من إيمان عميق برسالة الفن السابع الإنسانية.
ما راودني وأنا في عوالم السينما الإيرانية (آنذاك)، هو حجم المفارقة بينسينمانا التي ما أن تشرع في تأسيس شذرات من تجارب سينمائية واعدة، مثل “السراب” لأحمد البوعناني إنتاج 1976، حتى تُغْمَر تحت وطأة صدمة الصخور الجاهلة والتفاهة المتعلقة بالنموذج الكولونيالي، أو تنجرف مع تسونامي الجندرية البعيدة عن واقعنا الاجتماعي، وأخيرًا معانِقة موجة مواضيع الأقليات الشاذة بمقاربات جنسانية مُضلِّلة للطرح أصلا، وخارج طيف واقعنا المجتمعي العربي/الأمازيغي/الشرق-أوسطي.
في هذا السياق قالت فُروغ فَرُخزاد منذ حوالي 60 سنة: “إذا كانت قصائدي تغص بالأنوثة فأدلتها أنني أنثى، ولكن من أجل الإبداع والقيمة الفنية. أحياناً يتلاشى الجنس في الشعر ومعناه، فمن يرغب أن يكون مبدعاً بِناءً على جنسه فقط، سيبقى في تلك الحالة ولن يتطور، لذا إذا أردتُ أن أكتب عن الأنوثة وحقوق النساء لمجرد أنني امرأة، فلن أتمكن من الوصول إلى البعد الإنساني الذي يسعى للحرية للجميع، فالأصل هو الإنسان الذي يشغل أذهاننا وليس المرأة والرجل. إذن، لا أظن أنني معنية بالجنسية في كتابتي، وإذا حدث ذلك فهو غير مقصود”. من كتاب “فروغ فرخزاد: جاودانه زيستن، در اوج ماندن / فروغ فرخزاد: أن تعيش للأبد، أن تبقى في القمة” ل بهروز جلالی، ص 154، إصدار 1996 بإيران، عن دار نشر انتشارات مروارید Morvarid Publication.
قبل الانتباه للعبرة أو العلاقات التأريخية (بداية الستينيات وبزوغ الموجة السينمائية الإيرانية) لفيلم “الدار سوداء” مقابَلة مع واقع ممارسات المهنية السينمائية في المغرب (استدامة إنتاج لا شيء لمُعلَّقات طواحين الهواء)، لا بد للمتتبع السينيفيلي من استنتاج الدرس النقدي لِلَمس ميكانيزمات حالة رؤية مثيرة/مفاجئة من أرشيف ما بعد الحداثة السينمائية الكونية، تشبه حركة بندول Pendule ساعة معبد “الفن السابع” (24 دقة/رمشة في الثانية كمعيار فني/لا واعي، وليست حدًا بيولوجيًا) التي تفتح باباً في خيالنا لدخول صُوَر ملهمة لأفكار وسيناريوهات فريدة تتعلق بمجتمعنا الداخليوتطرز فسيفساء بصرية بديعة للإنسانية، حاملة في طياتها إرهاصاتمشاريع أفلام تفتقر لها بعض الدول المتقدمة، لتروي قصصًا بعيدة عن الإملاءات التي تفرضها علينا دول أخرى ما وراء البحر، هي فعلاً في حالة انحدار عن ما عُرف في رصيدها السينمائي (دليلي ماما فرنسا، التي اختارت تقديم فيلم إيراني ليمثلها في مسابقة الأوسكار لسنة 2026، وهو في الأصل غير ذي قيمة إبداعية).
في هذا المنوال ومن باب الاستشهاد، أستحضر بشديد الأسف أنموذجينلأشرطة مغربية حديثة (إنتاج وعرض 2025) لمستُ بها روح بادرة إبداعية واعدة، لكنها افتقدت لعُمق روح الفكرة، وافتقرت لبسطٍ مُبدع لرؤية سردية سينمائية مُحْكَمة، أقصد بالذّكر شريطي “النمل” لياسين فنان و”موڤيطا”لمعدان الغزواني. عملين كان بالإمكان أن ينفذا بقوة بين جوقة المهرجاناتالدولية المرموقة، لكن عطب تأطير المشروعين أفسد صياغة صناعة المشروعينوأضاع الفرصة على سينمانا.
العبرة، هي مُجملة في حاصل ملموس لكل مُواكِب لموجات الإبداع محليا وكونيا، فأحلام الأخر وراء البحر تختلف نُخاعًا عن أحلامنا، ميزانيتهمالمريحة ليست هي ميزانيتنا القاتلة. لدينا أحلامنا الخاصة، ملَكتنا في عبقرية “تامغرابيت” التي لن ولا يستوعبها إلا الأصيل، ينقصنا حشد الموارد والطاقات بمنطق الفريق المتحد والراعي البرغماتي الوطني.
الاستنتاج المنطقي، البرغماتي، العملي والاستراتيجي، هو العمل جماعة على ذواتنا المبدعة، دون أنانية ولا تعالي ولا مكر ولا تحايل للفوز بكعكة مسمومة (سواء عمومية أو أجنبية). تظافر الجهود في منظومة متكاملةCritical Success Factors هو الحل الوحيد والمطلق للجميع، عاجلا أم آجلا.
وفي حديث آخر،
هل يسقط دعم المركز السينمائي عن المخالفين؟
تسلسلا فيما ذكرت أعلاه أقول، لم أعد أستسيغ تكبُّر بعض “صُنّاع”سينمانا الغاوون وهم يتلاهثون للمشاركة في فعاليات ثقافية خارجية تُسمى أحيانًا، وبطريقة مُقززة، بـ”مهرجان دولي”، وغالبًا ما يشترون بها جوائز تقديرية تُعادل قيمتها قيمة قزدير صدِئ مُخجِل. تلك الجوائز الوهمية التي تُدعى “دولية”، بينما هي تُقام أحيانًا في أعماق قرية نائية صغيرة بدولة شاسعة من المحيط إلى المحيط، لا وزن لها حتى في موطنها ومحيطها، ويا عجب وهم (وهن) يتفاخرون بها، مع عِلمهم التام بأنها فقاعة صابونتجارية/إشهارية فارغة لا طائل منها سوى التمادي في غرور هاوي وقاتل،وتوهيم الغُفل، أو من يحمل نظرات شمسية غربالية (الإدارة)، بمنجزات ورقية تدليسية.
على سبيل المثال، صادفت أخيرًا خبر مهرجان دولي يُقام لتلامذة قرية متنائية في بلد العم سام، حصل فيه مُنْتَج مغربي (لم يرتقِ لبرمجة حتى لأصغر مُهيرجان مرموق يحترم نفسه) على جائزة كبرى دون وجود لجنة تحكيم (قمة التهكم)؛ وعند مراجعتي لدفتر/عقدة تحملات المشاركين بمسابقة المهيرجان (بحوزتي نسخة منه) وجدت أنه يشترط على المشاركين السماح للمهيرجان بإمكانية عرض الفيلم على قناة التلفزة المحلية (Film Acceptance Agreement: Festival reserves the right to screen your Film post-Festival at a “Best of the Fest” event with the Festival retaining the right to gained profits from said screenings. There is also a possibility of Best of Fest selections being shown on «Rocky Mountain PBS»)، وهو أمر يتعارض مع دفتر تحملات لجنة دعم الأفلام المغربية التي تُحَدِّد وتشترط فترة عرض الفيلم على القنوات التلفزيونية في مدة لا تقل عن ستة أشهر بعد تسويقه في القاعات التجارية (لضمان نجاح التوزيع السينمائي والتمويل الوطني)، في حين، إن هذا الفيلم لم يُعرض أساسًا في قاعة سينما تجارية حتى الآن، وذلك منذ عرضه في إطار المهرجان الوطني للفيلم لسنة 2025، مما يضع شركة الإنتاج في دائرة المساءلة القانونية وفقًا لبنود دفتر تحملات دعم المركز السينمائي المغربي.
الحالة الثانية: تتعلق بعرض فيلم مدعوم من طرف لجنة المركز أيضًا، الذي سيتم تقديمه بمطلع شهر أبريل 2026 في “بانوراما” أفلام بعاصمة الجن والملائكة الفرنسية. هذا الفيلم جديد (إنتاج 2025) ولم يتم عرضه تجاريامطلقا بالمغرب، ومن الممكن أن يُعرض في المهرجان الوطني المقبل. السؤال المطروح هو: كيف يمكن عرض فيلم جديد في “بانوراما” أفلام وهو لم يتم تسويقه حتى الآن تجارياً (في الأقل بالمغرب)؟
من المفترض أن تكون الأفلام المُشاركة في “بانوراما” مَا، والتي تكون كالعادة دون مسابقة تنافسية أو لجنة تحكيم، قد أنهت فعلًا دوراتها التجارية والتسابقية في المهرجانات والمهيرجانات، وقد تم بثها على قنوات التلفزيون التي حصلت على حقوق عرضها، ومن ثم وأخيرًا تُعرض في منصات وتظاهرات وندوات في إطار “بانوراما” لتأكيد مكانتها الفنية (إن كانت) وما شابه ذلك؛ أما عكس المسار، فهو بعيد من منطق الصناعة السينمائية والتوزيع التجاري.
نازلتان غريبتان عجيبتان، لربما يكون ذلك دليلاً على عدم وجود جودة كافية لبرمجتهما بمهرجان مرموق مَّا، حتى جدلًا من صنف الدرجة الرابعةلعصبة “دوار السوليما”؟
فما رأي “المركز” ضابط الحالة السينمائية المغربية من هاتين النازلتين؟؟؟