الحسين حنين
في لحظة سينمائية تحمل الكثير من الرمزية والدلالات، احتضنت ولاية فلوريدا الأمريكية عرض الشريط الوثائقي “النداء” للمخرج المغربي أحمد بوشلكة، ضمن فعاليات مهرجان فلوريدا للفيلم، في تجربة فنية تسعى إلى إعادة قراءة واحدة من أبرز المحطات في التاريخ المغربي المعاصر: المسيرة الخضراء.
الفيلم، الذي عُرض لأول مرة دوليًا، لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يختار مسارًا إنسانيًا عميقًا، من خلال رحلة مواطن أمريكي ينطلق من فلوريدا نحو مدن الصحراء المغربية، بحثًا عن “سر” هذه المسيرة التي نجحت، قبل خمسين عامًا، في إعادة رسم ملامح الجغرافيا السياسية للمنطقة بأسلوب سلمي فريد.
على امتداد 70 دقيقة، ينسج “النداء” خيوط حكايات متعددة، مستندًا إلى شهادات حية وتأملات تاريخية، تُبرز كيف تحولت المسيرة الخضراء من حدث سياسي إلى ذاكرة جماعية تحمل معاني الوحدة والكرامة والانتماء. ويقود هذه الرحلة الشخصية الأمريكية تيري أولسون، الذي يمنح للفيلم بعدًا ثقافيًا وإنسانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية.
وفي تصريح له على هامش العرض، اعتبر أولسون أن المسيرة الخضراء تمثل نموذجًا استثنائيًا في التاريخ الحديث، حيث نجحت في تحقيق أهدافها دون عنف، معتمدًا على قوة الرمزية الشعبية والإجماع الوطني. وأضاف أن دخوله هذا المشروع لم يكن مدفوعًا بسيناريو جاهز، بل برغبة صادقة في الفهم والتقريب بين الثقافات.
من جهتها، أكدت القنصل العام للمملكة المغربية في ميامي، شفيقة الهبطي، أن دعم هذا العمل السينمائي يأتي في إطار إيمان راسخ بدور الثقافة والفن في بناء جسور الحوار بين الشعوب، معتبرة أن “النداء” يشكل نافذة للتعريف بروح المسيرة الخضراء كقصة إنسانية عالمية، وليست فقط حدثًا وطنيًا.
ما يميز هذا العمل، هو قدرته على الخروج من الإطار الكلاسيكي للأفلام الوثائقية، ليقدم سردًا بصريًا هادئًا، قائمًا على الاكتشاف والتأمل، حيث تتحول الصحراء إلى فضاء للذاكرة، وتصبح الرحلة وسيلة لفهم أعمق لمعاني الانتماء والهوية.
الفيلم لا يقدم جوابًا مباشرًا، لكنه يترك للمشاهد فرصة التأمل في تجربة مغربية فريدة، استطاعت أن تكتب تاريخها بأسلوب مختلف، حيث كانت الإرادة الشعبية أقوى من كل الحسابات.
بهذا العرض الدولي، يؤكد “النداء” أن السينما المغربية قادرة على نقل قضاياها الكبرى إلى منصات عالمية، ليس فقط عبر السرد، بل من خلال قوة الحكاية الإنسانية التي تلامس المشترك بين الشعوب.