القاعة السينمائية.. الحلقة الأساسية في الصناعة السينمائية
لا يمكن الحديث عن صناعة سينمائية متكاملة دون الحديث عن القاعات السينمائية. فهذه الفضاءات ليست مجرد بنايات مخصصة لعرض الأفلام، بل هي الحلقة التي تمنح للعمل السينمائي معناه الاقتصادي والثقافي، لأنها تشكل نقطة اللقاء الطبيعية بين الفيلم وجمهوره. ومن هنا، فإن أي سياسة عمومية تروم تطوير القطاع السينمائي لا يمكن أن تقتصر على الإنتاج وحده، بل ينبغي أن تشمل أيضاً دعم فضاءات العرض باعتبارها مكوناً أساسياً في المنظومة السينمائية.
دينامية واعدة في إحداث قاعات الجيل الجديد
خلال السنوات الأخيرة، شهد المغرب دينامية إيجابية في مجال إحداث القاعات السينمائية من الجيل الجديد، سواء من خلال مبادرات استثمارية خاصة أو عبر مشاريع مدمجة ضمن المركبات التجارية والترفيهية الكبرى. وقد ساهمت هذه القاعات الحديثة، المجهزة بأحدث تقنيات العرض والصوت، في استعادة جزء مهم من جاذبية السينما لدى الجمهور المغربي، مؤكدة أن الرهان على الاستثمار في فضاءات العرض ليس رهاناً خاسراً، بل فرصة واعدة تستحق التشجيع والمواكبة.
كما أن هذه المشاريع تعكس ثقة متزايدة في مستقبل السوق السينمائية الوطنية، خاصة في ظل تنامي الطلب على التجارب الثقافية والترفيهية الحديثة، وتطور أنماط الاستهلاك الثقافي لدى الأجيال الجديدة.
تحديات الاستثمار تفرض مواكبة عمومية
رغم هذه الدينامية، ما يزال الاستثمار في القاعات السينمائية يواجه تحديات حقيقية. فتكاليف البناء والتجهيز وفق المعايير الحديثة أصبحت مرتفعة، كما أن متطلبات التشغيل والصيانة والتحديث المستمر تفرض أعباء مالية مهمة على المستثمرين.
ولذلك، فإن استمرار هذا الزخم وتوسيعه ليشمل مختلف جهات المملكة يقتضي تدخلاً عمومياً يواكب جهود القطاع الخاص ويشجع المستثمرين على خوض هذا المجال، خصوصاً في المدن المتوسطة والصغرى التي تحتاج بدورها إلى فضاءات عرض حديثة ومجهزة.
إصلاحات قانونية وتنظيمية ترفع سقف المتطلبات
تزداد الحاجة إلى هذه المواكبة في ظل الإصلاحات القانونية والتنظيمية التي شهدها القطاع مؤخراً. فالقانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي وضع أسساً جديدة لتحديث المنظومة السينمائية الوطنية وتعزيز تنافسيتها.
كما جاء المرسوم رقم 2.25.484 لتفعيل عدد من مقتضيات هذا القانون، في حين حدد قرار وزير الشباب والثقافة والتواصل رقم 2191.25 المعايير التقنية ومعايير الأمن والسلامة الواجب توفرها في القاعات السينمائية، إضافة إلى المعايير المتعلقة بجودة التجهيزات التقنية وعدد الشاشات ووسائل الراحة والاستقبال التي يتم بناء عليها تصنيف القاعات السينمائية.
وتشكل هذه النصوص خطوة متقدمة نحو الرفع من جودة فضاءات العرض بالمغرب، لكنها في المقابل تفرض على المستثمرين التزامات جديدة تتطلب اعتمادات مالية مهمة للامتثال لهذه المعايير.
100 مليون درهم سنوياً.. استثمار لا تكلفة
إن تخصيص غلاف مالي سنوي في حدود 100 مليون درهم لدعم إنشاء وتأهيل القاعات السينمائية لا ينبغي النظر إليه كنفقة إضافية، بل كاستثمار استراتيجي في البنية التحتية الثقافية للمملكة.
فهذا المبلغ كفيل بإعطاء دفعة قوية للاستثمار الخاص، وتحفيز إحداث قاعات جديدة، وتأهيل القاعات القائمة، وتوسيع شبكة العرض السينمائي لتشمل مدناً ومناطق لا تزال تفتقر إلى هذه المرافق الثقافية.
كما سيساعد المستثمرين على مواكبة المتطلبات القانونية والتنظيمية الجديدة، بما يضمن توفير قاعات حديثة تستجيب لأعلى معايير الجودة والسلامة.
أثر اقتصادي وثقافي يتجاوز القطاع
لا تقتصر أهمية القاعات السينمائية على عرض الأفلام فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد المحلي والتنمية الثقافية. فهي تساهم في خلق فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط الأنشطة التجارية والخدماتية المرتبطة بها، وتعزيز جاذبية المدن كمراكز للحياة الثقافية والترفيهية.
كما تشكل فضاءات أساسية لنشر الثقافة البصرية، وتشجيع الإبداع، وتعزيز علاقة الجمهور بالإنتاج السينمائي الوطني والدولي.
من دعم الإنتاج إلى دعم العرض
لقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانته كوجهة دولية للإنتاج السينمائي، وحقق مكاسب مهمة على مستوى البنيات التقنية والخبرات المهنية. واليوم، يبدو من الضروري استكمال هذا المسار عبر الاهتمام بنفس القدر بفضاءات العرض السينمائي.
فصناعة السينما لا تكتمل بإنتاج الأفلام فقط، بل تحتاج أيضاً إلى قاعات حديثة قادرة على استقطاب الجمهور وضمان استدامة الدورة الاقتصادية للقطاع.
خيار استراتيجي لمستقبل السينما المغربية
إن إحداث آلية دعم جديدة للقاعات السينمائية لم يعد مجرد مطلب مهني، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات التي يعرفها القطاع والطموحات التي يحملها المغرب لتطوير صناعاته الثقافية والإبداعية.
وإذا كانت القاعات السينمائية هي الواجهة التي يلتقي فيها الجمهور بالإبداع، فإن الاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل الثقافة المغربية وفي بناء صناعة سينمائية متكاملة وقادرة على النمو والاستدامة. لذلك، فإن تخصيص دعم سنوي للقاعات السينمائية يمثل خطوة عملية نحو تعزيز البنية الثقافية الوطنية وترسيخ مكانة المغرب كقطب سينمائي متكامل يجمع بين الإنتاج والتوزيع والعرض.