عبد الرزاق كواري
من أجل مواكبة التطور العالمي للإنتاجات السينمائية العالمية لابد لنا من خلق توازن منطقي في منظومة الإنتاج حتى نرتقي بالأعمال السينمائية و التلفزية المغربية إلى مصاف الكبار، و تبدأ هذه العملية أولا بفتح المجال لكتاب السيناريو بالانفتاح أكثر وعدم تقييدهم بالكتابات التي تبنى على التدبير المالي للإنتاج، فظاهرة اعتماد السيناريو الفقير الذي يصور في منطقة واحدة أو ديكور واحد أو بمجموعة قليلة من المنتجين، يعتبر من أكثر العوامل التي ساهمت في ضعف الإنتاجات المغربية التي ترتكز بالأساس على القصص الاجتماعية و العاطفية، و أغلبها قصص صالونية.
نحن اليوم بحاجة لكتابات جريئة في تكلفتها المالية، و التي تجعل من تنوع المشاهد و الإنفتاح على الأماكن المتعددة و مشاهد المغامرة و الأكشن مضمونها الأساسي، هذا السيناريو سيرفع مباشرة القيمة السوقية لهذا الإنتاج.
طبعا بعد رفع قيمة الكتابات الإبداعية و انفتاحها على مشاهد متنوعة و أكثر انفتاح على المحيط الخارجي، يلزمنا توفير أجهزة تصوير إحترافية قادرة على إنتاج شريط متميز بمعايير دولية، يجعل إنتاجاتنا السينمائية و السمعية البصرية مقبولة على المستوى العالمي، و تستجيب للمعايير المطلوبة في المهرجانات الكبرى و منصات العرض العالمية، هذا طبعا سيجعلنا أمام تحدي كبير يستوجب تشغيل طاقم تقني و فني إحترافي، يعيد الإنتاجات المغربية إلى أمجادها، حيث كان المبدعون المغاربة ينتجون أعمالهم باستعمال كاميرات متطورة في عصرها و بتصوير مباشر على الدعامة السينمائية التي تتطلب فريقا تقني و فني محترف، الشيء الذي رفع قيمة التقني المغربي وجعله حاضرا بقوة في عدد من الإنتاجات العالمية عبر التاريخ بمهام رئيسة، عكس ما نعيشه اليوم في ظل انتشار التصوير بمعدات مخصصة للهواة في كبريات الدول السينمائية.
هذا طبعا يحيلنا على ضرورة إعادة الثقة كفاءاتنا التقنية التي هاجرت للعمل بكبريات الدول السينمائية فهناك عدد لابأس به من المغاربة الذين صنعوا لأنفسهم اسما داخل منظومة الإنتاج الأمريكية و الفرنسية و أيضا بدول الخليج العربي التي دخلت مؤخرا سباق الإنتاجات السينمائية العالية الجودة، و هنا نوجه رسالتنا بالأساس إلى كل الفاعلين في الميدان و الحالمين بغد أفضل للإنتاجات السينمائية و التلفزية المغربية، حان الوقت لرفع قيمة التقنيين و الفنيين، و منح الفرصة لكبار المحترفين المغاربة، و أيضا منح الفنانين الأهرام مكانتهم الحقيقية، لخلق استمرارية وتطور حقيقي، لأن المنظومة الإنتاجية لا تتوقف عند تحصيل الربح المالي فقط، فمن الصعب التعامل مع الإبداع الفني بمبدأ المنافسة و العرض و الطلب، و لا يمكننا أيضا التعامل معها بمبدأ تحصيل أكبر ربح مقابل أقل مصاريف، هذه ثقافة مرتبطة بالصناعات الروتينية البسيطة والمحدودة الربح.
رفع إيقاع الإنتاجات السينمائية، و العمل بمبدأ الدودة أولا، سيمنحنا ريادة إفريقية ثم عربية و بعد ذلك عالمية، فالجودة ستزيد الكمية طبعا، و الربح المنطقي يضمن لنا الإستمرارية و يجرنا نحو صناعة سينمائية حقيقية تحقق الأرباح المتوقعة.
و من أجل مأسسة هذه العملية و تطبيقها بشكل قانوني، بعيدا عن التأويلات التي تنادي بأن المنافسة حرة و تحديد السعر لا يتماشى مع طبيعة التجارة و تحصيل الثروة، نقول لأصحاب هذا الطرح أن التجارة الحقيقية و المنافسة الشريفة، و أيضا القوانين التجارية و مدونة الشغل، تدعو إلى رفع قيمة الإنتاجات التي تتميز بطبيعة مختلفة عن باقي القطاعات التي تنظمها مدونة الشغل، و يمكننا في هذه الحالة إلغاء العمل بالحد الأدنى للأجور لأنه لا يتماشى مع طبيعة تطوير و رفع القيمة السوقية للإنتاجات السينمائية و السمعية البصرية،
هذا ما يؤكده بشكل صريح القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل الصادر بموجب الظهير الشريف رقم 1.03.194 بتاريخ 11 شتنبر 2003، في نص “المادة 345” التي تمنح الغرف والجمعيات المهنية الحق في تأسيس إتفاقية جماعية يحدد بموجبها حد أدنى قانوني للأجر، يتوافق مع العرف المعمول به في ذلك المجال، كما أنه في حالة الفراغ القانوني، فإن للمحكمة المتخصصة الحق في تحديد أجر العاملين في ذلك المجال وفق العرف، على اعتبار أن العرف يعتبر من بين أسمى المصادر القانونية للتشريع، و تأتي “المادة 11” من نفس المدونة لتأكد أن الإتفاقيات الجماعية لتحديد الحد الأدنى للأجور في ذلك المجال، أو ما يجري عليه العرف، تكتسب القوة القانونية حتى بوجود مواد تتعارض مع هذا العرف أو الإتفاق، ما دام يوفر فائدة أكثر للأجراء، و تضيف “المادة 3” من مدونة الشغل في فقرتها الأولى أنه يجوز العمل بالأجور المتفق عليها أو التي جرى عليها العرف، و ذكرت من بينها في الترتيب الخامس أجراء الصناعة السينمائية، شريطة ألا تقل عما هو معمول به في هذه المدونة.
و بالرجوع إلى القانون رقم 68.16 الصادر بموجب الظهير الشريف رقم 1.16.116 بتاريخ 25 غشت 2016 المتعلق بالفنان و المهن الفنية، و خاصة “المادتين 11 و 12″، نجد أن هذا القانون يمنح الهيئات الغير الحكومية و المتمثلة في الغرف والجمعيات المهنية الحق في تحديد عقود نموذجية لإعتمادها وجوبا من طرف المؤسسات الفنية و كذا الفنانون و تقنيو و إداريو الأعمال الفنية، و يعتبر كل إنهاء للعقد بصفة تعسفية، مخولا للطرف المتضرر في الحصول على تعويضات وفق شروط هذا العقد النموذجي، كما أن “المادة 13” من نفس القانون، تحيلنا مباشرة على القانون المتعلق بتنظيم الصناعة السينماتوغرافية، و تشير إلى ضرورة تحديد نص تنظيمي يحدد الحد الأدنى للأجور و أيضا إلى ظروف تشغيل الفنانين و المؤلفين و التقنيين و الإداريين العاملين في هذا المجال، و تشير “المادة 15” من الباب السادس “الأجر الفني” من نفس القانون، إلى أن المجال مفتوح للاتفاق على حد أدنى للأجور يواكب قيمة الميدان و تطوراته، بينما تحدد المواد 43، 44 و 45، الآليات المتبعة في تنظيم هذه العملية بشكل قانوني، و قد منحت “المادة 45” للمركز السينمائي المغربي كمؤسسة حكومية مشرفة في التدخل لتحديد الحد الأدنى للأجور في حالة الخلاف.
نحن إذا أمام تحد كبير للعمل بشكل جماعي و توافقي لضمان التوزيع العادل للميزانيات المرصودة للإنتاج السينمائي و السمعي البصري، باعتباره السبيل الوحيد لرفع جودة الإنتاجات وضمان استمراريتها، و المنهجية السليمة لجلب استثمارات عالمية و كسب ثقة المؤسسات الإنتاجية السينمائية و التلفزية و السمعية البصرية العالمية، لإعادة الاعتبار لمختلف مكونات الجسم السينمائي المغربي، و تحقيق المصلحة الفضلى للوطن.