الحسين حنين
النقاش حول بطاقة المهني السينمائي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في سؤال: من يستحق البطاقة ومن لا يستحقها؟ لأن الأمر أعمق من ذلك. نحن أمام وسيلة لتنظيم المهنة، والاعتراف بالخبرة، وفتح المجال أمام المهني لكي يتطور داخل تخصصه وفق مسار واضح.
فالبطاقة المهنية لا ينبغي أن تكون فقط وثيقة تسمح بولوج القطاع، بل أن تعكس أيضاً المسار الذي قطعه المهني، والتجربة التي راكمها، ومستوى المسؤولية الذي أصبح قادراً على تحمله.
وهنا تبرز أهمية التدرج المهني.
فالسينما ليست مهنة جامدة. مساعد المخرج يمكن أن يصبح مساعداً أول، والمساعد الأول يمكن أن ينتقل مع الوقت إلى مسؤوليات أكبر، والتقني يمكن أن يصبح رئيس وحدة متى أثبتت تجربته وكفاءته أنه مستعد لذلك.
ولهذا فإن أي نظام حقيقي لبطاقة المهني السينمائي يجب أن يجيب عن سؤال أساسي: كيف ننتقل من الاعتراف بحق الشخص في دخول المهنة إلى الاعتراف بحقه في التطور داخلها؟
التدرج المهني هو اعتراف بتراكم الخبرة
في العمل السينمائي، الخبرة لا تكتسب فقط داخل قاعات الدراسة، وإنما أيضاً في مواقع التصوير، وفي التعامل مع متطلبات الإنتاج، وقيادة الفرق، واتخاذ القرارات تحت الضغط.
لذلك لا يمكن تقييم المسار المهني فقط بعدد السنوات، كما لا يمكن تقييمه فقط بالشهادات والدبلومات.
الدبلوم والتكوين مهمان، لكن السينما مهنة تطبيقية وإبداعية، والكفاءة فيها تظهر كذلك من خلال الأعمال المنجزة والمسؤوليات التي تحملها المهني.
فمن راكم سنوات من العمل وشارك في عشرات الإنتاجات لا يمكن التعامل معه كما لو أنه يدخل المهنة لأول مرة. وفي المقابل، مجرد مرور سنوات طويلة داخل القطاع لا يعني آلياً التأهل لمسؤولية أعلى.
المعادلة الصحيحة، في نظري، هي:
أقدمية + تجربة فعلية + أعمال منجزة + مستوى المسؤولية + كفاءة مهنية.
يجب التمييز بين الولوج إلى المهنة والترقي داخلها
هناك فرق بين شخص يطلب الاعتراف به لأول مرة في صنف مهني، وشخص يحمل البطاقة منذ سنوات ويريد الانتقال إلى مستوى أعلى داخل الصنف نفسه.
في الحالة الأولى نحن أمام ولوج إلى المهنة، وفي الثانية أمام تطور طبيعي داخل مسار مهني قائم.
من يريد الدخول لأول مرة إلى تخصص معين ينبغي أن يثبت الحد الأدنى من التكوين أو الممارسة. أما من يريد الترقي، فيجب النظر أساساً إلى ما راكمه منذ حصوله على صفته السابقة: الأعمال التي شارك فيها، والمسؤوليات التي تحملها، ومدى تطور كفاءته.
المخرج نموذج واضح للتدرج المهني
الإخراج من أكثر المهن التي تبين أن الشهادة وحدها لا يمكن أن تكون معياراً كافياً.
فالحصول على دبلوم في الإخراج لا يعني تلقائياً أن صاحبه أصبح مخرجاً محترفاً قادراً على قيادة فيلم وطاقم فني وتقني كامل.
كما أن العكس صحيح: قد يراكم شخص لم يتخرج من معهد سينمائي تجربة ميدانية حقيقية وأعمالاً تثبت قدرته الفنية والمهنية.
لذلك ينبغي أن يقوم مسار المخرج على الجمع بين التكوين النظري والممارسة الفعلية.
المخرج لأول مرة: الدبلوم وحده لا يكفي
صفة “مخرج لأول مرة” ينبغي أن تكون بوابة حقيقية نحو الاحتراف، لا نتيجة أوتوماتيكية للحصول على شهادة.
ويمكن مثلاً تصور مسارين:
المسار الأول: تكوين أو دبلوم متخصص في السينما أو السمعي البصري، مع إخراج فيلمين قصيرين على الأقل.
المسار الثاني: بالنسبة لمن لا يتوفر على دبلوم متخصص، يمكن الاعتراف بتجربته إذا أثبت إخراج ثلاثة أفلام قصيرة على الأقل تسمح بتقييم قدرته المهنية والفنية.
كما يمكن النظر في حالة من أنجز فيلماً طويلاً خارج المسار التقليدي، على أن يتم تقييم العمل مهنياً.
الفكرة بسيطة: لا الدبلوم يعفي صاحبه من إثبات الممارسة، ولا غياب الدبلوم يلغي تجربة حقيقية يمكن إثباتها بالأعمال.
فالسينما في النهاية تُشاهد.
من “مخرج لأول مرة” إلى “مخرج”
بعد الاعتراف بالشخص كمخرج لأول مرة، ينبغي أن يكون أمامه مسار واضح للتقدم.
ويمكن مثلاً أن يشترط للانتقال إلى صفة مخرج أن يكون قد أخرج بعد حصوله على صفته المهنية:
- ثلاثة أفلام قصيرة فعلية على الأقل؛
- أو فيلماً سينمائياً طويلاً واحداً تحمل مسؤوليته الإخراجية كاملة؛
- مع مراعاة جودة التجربة واستمرارية الممارسة وطبيعة الأعمال.
وهنا لا ينبغي أن يؤدي الرقم وحده إلى ترقية أوتوماتيكية. فدور اللجنة هو النظر إلى طبيعة الأعمال ومدى تطور التجربة ومستوى المسؤولية.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن تبقى السلطة التقديرية مفتوحة إلى حد يجعل المهني غير قادر على فهم أسباب عدم الاعتراف بتطوره.
المخرج لا تصنعه الشواهد وحدها
الدبلوم دليل على تكوين منظم، لكنه لا يثبت وحده القدرة على تحويل سيناريو إلى فيلم، أو قيادة الممثلين، أو اتخاذ القرارات الفنية، أو التعامل مع مشاكل التصوير والإنتاج.
المخرج يُعرف أيضاً بأعماله وبقدرته على تحمل مسؤولية النتيجة النهائية.
وهذا لا ينتقص من قيمة التكوين الأكاديمي، بل يؤكد ضرورة التوازن بين المعرفة والممارسة.
نفس المنطق يجب أن يسري على باقي المهن
المخرج مجرد مثال، والمبدأ نفسه يمكن تطبيقه على باقي المهن السينمائية.
فمساعد المخرج يمكن أن يصبح مساعداً أول، ومساعد مدير التصوير يمكن أن يطور مساره داخل قسم الصورة، والمساعد في الديكور أو الملابس أو الصوت أو الإنتاج يمكن أن ينتقل إلى مستوى رئيس وحدة بعد إثبات الخبرة والكفاءة.
حين يضع التنظيم عدة درجات داخل تخصص واحد، فمن الطبيعي أن توجد بينها جسور واضحة للانتقال.
لا ترقية أوتوماتيكية… ولا باباً مغلقاً
ليس كل من قضى سنوات في مهنة ما يصبح بالضرورة رئيس وحدة، وليس كل من أخرج عدداً معيناً من الأفلام يصبح تلقائياً مخرجاً مؤهلاً لمشاريع أكبر.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى ذريعة لإغلاق باب التطور.
إذا استوفى المهني شروطاً واضحة، وراكم الأعمال والخبرة المطلوبة، وأثبت قدرته على تحمل مسؤولية أعلى، فيجب أن تكون أمامه إمكانية حقيقية للترقي.
والأهم أن يعرف مسبقاً ما المطلوب منه.
اللجنة الاستشارية: قيمة تظهر في الممارسة ونتائج دورة يوليوز 2026
أهمية اللجنة الاستشارية المكلفة بإبداء الرأي بشأن تسليم بطاقة المهني السينمائي لا تظهر فقط في النصوص، بل أساساً في طريقة اشتغالها وفي قدرتها على تحويل المعايير إلى ممارسة مهنية واضحة ومنصفة.
ويقدم بلاغ نتائج دورتها برسم يوليوز 2026 مثالاً عملياً على ذلك.
فقد عرض على اللجنة 222 ملفاً موزعة على تخصصات مهنية متعددة، وهو ما يبرز حجم المسؤولية الملقاة عليها، لأن تقييم ملف مخرج لا يمكن أن يتم بالمنطق نفسه الذي يقيم به ملف مدير إنتاج أو مدير تصوير أو مسؤول عن الصوت أو الديكور.
كما أوضح البلاغ أن اللجنة اطلعت على المعايير والضوابط المعتمدة في دراسة الطلبات، في اتجاه توحيد منهجية الاشتغال واحترام الموضوعية والشفافية وتكافؤ الفرص.
والأهم أن دراسة الملفات لم تقتصر على التحقق من الشروط والوثائق، بل شملت فحص المسارات المهنية والتجارب والأعمال المنجزة، إلى جانب مشاهدة الأفلام وإجراء مقابلات مع بعض المترشحين، ولا سيما رؤساء الوحدات.
وهنا تحديداً تظهر قيمة اللجنة.
فلو كان الحصول على البطاقة مجرد نتيجة حسابية لعدد السنوات والأعمال، لما كانت هناك حاجة إلى لجنة تضم خبرات مهنية.
وجود اللجنة يصبح ضرورياً عندما يكون المطلوب هو قراءة المسار وليس فقط عدّه.
وحسب البلاغ، تمت الموافقة على منح بطاقة المهني السينمائي لفائدة 191 مترشحاً ومترشحة، من بينهم 57 امرأة و55 رئيس وحدة، إلى جانب ملفات أُجّل البت فيها وأخرى لم تستوف الشروط المعتمدة.
وهذا التنوع في النتائج يبين أن عمل اللجنة لا يقوم على القبول الآلي ولا على الرفض المبدئي، وإنما على التمييز بين المسارات والملفات.
كما أن وجود 55 رئيس وحدة ضمن المستفيدين له دلالة خاصة في موضوع التدرج المهني، لأن الاعتراف برئيس وحدة لا يتعلق فقط بإثبات ممارسة المهنة، بل أيضاً بإثبات القدرة على تحمل مستوى أعلى من المسؤولية.
من دراسة الملفات إلى بناء مرجعية مهنية
مع كل دورة، لا تدرس اللجنة ملفات منفصلة فقط، بل تراكم معرفة عملية بواقع المهن السينمائية ومسارات تطورها.
ومن خلال مقارنة التجارب والأعمال والمسؤوليات، يمكن مع الوقت بناء مرجعية أكثر وضوحاً لما يعنيه الانتقال من مساعد إلى مساعد أول، أو من مهني إلى رئيس وحدة، أو من مخرج لأول مرة إلى مخرج.
ولا يعني ذلك تحويل قرارات اللجنة إلى سوابق جامدة، بل الاستفادة من الخبرة المتراكمة حتى تعالج الحالات المتشابهة بمنطق متقارب.
الشفافية جزء من قيمة اللجنة
من الجوانب الإيجابية في دورة يوليوز 2026 أن نتائج اللجنة أُعلنت في بلاغ رسمي، مع بيان توزيع المستفيدين بحسب التخصصات والبطاقات الممنوحة.
ونشر النتائج يعزز الثقة في المنظومة.
ويمكن البناء على ذلك مستقبلاً بتوضيح أكبر لمعايير التدرج بين الدرجات المهنية، حتى يعرف حامل البطاقة ليس فقط النتيجة التي حصل عليها اليوم، بل أيضاً ما الذي يحتاج إلى تراكمه لكي ينتقل غداً إلى مستوى أعلى.
اللجنة ليست بديلاً عن المعايير… والمعايير ليست بديلاً عن اللجنة
دورة يوليوز 2026 تظهر التوازن المطلوب.
هناك شروط ومعايير يجب احترامها، وفي الوقت نفسه هناك مسارات وتجارب وأعمال تحتاج إلى تقييم نوعي.
لا ينبغي أن تحل السلطة التقديرية محل المعايير، كما لا ينبغي أن تلغي المعايير الحاجة إلى الخبرة المهنية.
فاللجنة القوية ليست لجنة ذات سلطة مطلقة، وليست آلة لتطبيق جدول حسابي.
قيمتها في قدرتها على تطبيق قواعد واضحة، وقراءة المسارات، وتمييز الخبرة الحقيقية، والاستماع إلى المهني عند الحاجة، والوصول إلى رأي يمكن الدفاع عنه مهنياً.
وما أظهرته دورة يوليوز 2026 من فحص للمسارات، ومشاهدة للأعمال، وإجراء للمقابلات، ونشر للنتائج، يشكل أساساً مهماً يمكن البناء عليه لتطوير نظام البطاقة وربطه بالتدرج الحقيقي في الكفاءة والمسؤولية.
وهنا تلتقي قيمة اللجنة بفكرة التدرج المهني:
المعايير تحدد الطريق، والخبرة تثبت المسار، واللجنة تقيم الانتقال.
خصوصية السينما يجب أن تبقى حاضرة
السينما ليست وظيفة كلاسيكية.
قد يشتغل مهني في ثلاثة أفلام خلال سنة، وقد ينجز عملاً واحداً فقط في سنة أخرى. كما قد تمنح تجربة واحدة كبيرة صاحبها خبرة تفوق عدداً من الأعمال الصغيرة.
لذلك لا يمكن بناء النظام كله على عدد السنوات أو عدد الأعمال فقط.
المطلوب هو قراءة المسار في شموليته، وهنا يبقى للجنة دور أساسي في التقييم النوعي داخل إطار موضوعي ومعلن.
التدرج يحمي الأجيال الجديدة أيضاً
وضوح التدرج لا يخدم المهنيين القدامى فقط، بل يمنح الشباب أفقاً واضحاً.
طالب السينما الذي يتخرج اليوم يجب أن يعرف الطريق الذي يمكن أن يسلكه: ما الذي يؤهله للولوج، وما الأعمال التي يحتاج إلى إنجازها، ومتى يمكنه طلب الانتقال إلى مستوى مهني أعلى.
أما عندما تغيب القواعد، فلا يعرف المهني كم عليه أن ينتظر ولا ما الذي ستبحث عنه اللجنة في ملفه.
والغموض في حد ذاته لا يخدم العدالة المهنية.
البطاقة المهنية يجب أن ترافق المهني لا أن تجمده
في النهاية، الهدف من بطاقة المهني السينمائي لا ينبغي أن يكون فقط تصنيف الأشخاص في خانات.
قيمتها الحقيقية أن تساعد على تنظيم الصناعة، وأن تعطي لكل مهني مكانه وفق تجربته ومسؤوليته، وأن تسمح له بالتطور عندما يثبت أنه يستحق ذلك.
المطلوب ليس توزيع الألقاب بسهولة، ولا حماية الألقاب بإغلاق الأبواب.
المطلوب هو مسار مهني مفهوم.
فالمخرج لأول مرة يجب أن يعرف كيف يصبح مخرجاً، والمساعد كيف يصبح مساعداً أول، وكل مهني يجب أن يعرف أن سنوات العمل والأعمال التي ينجزها لها قيمة، لكنها ليست وحدها المعيار.
بهذا المعنى، تصبح بطاقة المهني السينمائي سجلاً لمسار يتطور:
ولوج، ممارسة، تراكم للخبرة، تقييم، ثم انتقال إلى مستوى أعلى من المسؤولية.
وهنا تبرز مرة أخرى أهمية اللجنة الاستشارية، لأن نجاح التدرج المهني لا يحتاج فقط إلى نصوص تحدد الشروط، بل أيضاً إلى لجنة قادرة على قراءة المسارات بجدية، وتطبيق المعايير بتوازن، والحفاظ على شفافية المساطر والثقة في النتائج.
وهذا هو المنطق الذي تحتاجه صناعة سينمائية تريد أن تتطور:
لا شهادة بلا ممارسة، ولا أقدمية بلا كفاءة، ولا كفاءة بلا فرصة حقيقية للتقدم، ولا تدرج مهني عادلاً دون معايير واضحة ولجنة مهنية قادرة على تقييمها بشفافية ومسؤولية.