الحسين حنين
يشكل تخليد عيد الشباب المجيد مناسبة وطنية لاستحضار المكانة التي يحظى بها الشباب في المشروع المجتمعي والتنموي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، ولإبراز ما أفرزته هذه الرؤية من نتائج ملموسة في مجالات التكوين والتأهيل والتشغيل والإبداع والمبادرة.
وتعد الصناعة السينمائية المغربية من المجالات التي تجسد هذه الدينامية بوضوح، إذ أصبحت فضاء يتيح للشباب فرصا متزايدة للتكوين والاندماج المهني والمشاركة في الإنتاج والإبداع، ضمن منظومة تجمع بين الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا.
مسار ملكي ممتد في خدمة السينما
إن ما بلغته السينما المغربية اليوم هو ثمرة مسار تاريخي متراكم.
فمنذ عهد السلطان المولى عبد العزيز، برز اهتمام مبكر بالتقنيات الحديثة والصورة المتحركة، في مرحلة كانت فيها السينما حديثة النشأة عالميا.
وفي عهد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، تعزز البناء المؤسساتي من خلال إحداث المركز السينمائي المغربي سنة 1944، ثم أصبحت السينما بعد الاستقلال جزءا من مسار بناء السيادة الثقافية والوطنية.
أما في عهد جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، فقد ترسخت البنية المؤسساتية للقطاع من خلال إعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي، وإرساء آليات دعم الإنتاج، وتشجيع التكوين المهني والتقني، بما هيأ أرضية متينة للتحول الذي عرفه القطاع لاحقا.
جلالة الملك محمد السادس: من السينما إلى الصناعة
في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، انتقلت السينما المغربية إلى مرحلة جديدة، تقوم على التعامل معها باعتبارها صناعة متكاملة قادرة على خلق فرص الشغل، وجذب الاستثمار، وتأهيل الكفاءات، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز إشعاع المغرب دوليا.
وقد عبرت الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المناظرة الوطنية حول السينما سنة 2012 عن هذا التوجه، من خلال التأكيد على تأهيل القطاع، وتنمية قدراته المهنية والاحترافية، وتشجيع المبادرات والمبدعين، والرفع من جودة الإنتاج.
وانعكست هذه الرؤية على تحديث الإطار المؤسساتي والتشريعي، وتوسيع فرص التكوين، ودعم الإنتاج، وتعزيز جاذبية المغرب للإنتاجات الدولية، وهو ما جعل الشباب في قلب الصناعة السينمائية المغربية.
التكوين… مدخل أساسي لإدماج الشباب
يعد التكوين من أبرز تجليات العناية التي يوليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده للرأسمال البشري.
فقد عرف المغرب توسعا في المعاهد والشعب والمسالك والتخصصات المرتبطة بالسينما والسمعي البصري، سواء في القطاع العام أو الخاص، مما ساهم في تكوين موارد بشرية مؤهلة في الإخراج، وكتابة السيناريو، والإنتاج، والصورة، والصوت، والمونتاج، والمؤثرات البصرية والتحريك وغيرها من المهن.
ويشكل المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما نموذجا لهذه الدينامية، إلى جانب توسيع التكوين جهويا، وظهور تخصصات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والصورة الرقمية.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على الصناعة، إذ أصبح المغرب يتوفر على كفاءات شابة قادرة على العمل في الإنتاجات الوطنية والدولية، وعلى مواكبة المعايير المهنية والتقنية الحديثة.
من التكوين إلى الممارسة المهنية
ساهم تطور القطاع في فتح المجال أمام الشباب للانتقال من التكوين إلى مواقع التصوير والممارسة المهنية.
فالتدريب والاحتكاك المباشر بالإنتاجات السينمائية مكنا عددا متزايدا من الشباب من اكتساب الخبرة والتدرج داخل المهن التقنية والفنية.
وأصبحت الإنتاجات الدولية التي يتم تصويرها بالمغرب فضاء مهما لنقل المعرفة وتراكم الخبرات، بما يساهم في توطين الكفاءة السينمائية وتعزيز قدرة الموارد البشرية المغربية على المنافسة.
وهكذا أصبح المسار أكثر وضوحا:
التكوين يؤهل، والتدريب يمنح الخبرة، والإنتاج يفتح باب المهنة، وتراكم التجربة يصنع الكفاءة.
الشباب ومهن سينما المستقبل
أفرز التحول الرقمي مهنا جديدة فتحت أمام الشباب آفاقا واسعة في مجالات المؤثرات البصرية، والتحريك ثلاثي الأبعاد، والإنتاج الافتراضي، وتقنيات التقاط الحركة، وتصميم العوالم الرقمية، والألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي المرتبط بالصورة.
وهذا التطور يمنح الشباب المغربي موقعا استراتيجيا داخل الصناعة، بالنظر إلى قرب الأجيال الجديدة من التكنولوجيا وقدرتها على التكيف مع أدواتها.
وبذلك لم يعد الشباب مجرد قوة عمل داخل القطاع، بل أصبحوا رافعة أساسية لتحديث الصناعة السينمائية المغربية وضمان تنافسيتها مستقبلا.
الشباب والسينما… قوة ناعمة للمغرب
ولا تقتصر أهمية إدماج الشباب في الصناعة السينمائية على التكوين والتشغيل، بل تمتد إلى تعزيز القوة الناعمة للمملكة.
فالسينما أداة فعالة للتعريف بثقافة الشعوب وقيمها وهويتها، والشباب المغربي أصبح فاعلا في صناعة الصورة التي يقدم بها المغرب نفسه إلى العالم.
فكل مخرج شاب، وكل كاتب سيناريو، وكل تقني أو فنان رقمي يشارك في إنتاج وطني أو دولي، يساهم في إبراز الكفاءة المغربية وفي تعزيز الحضور الثقافي والحضاري للمملكة.
وهكذا أصبح الاستثمار في الشباب استثمارا أيضا في صورة المغرب وإشعاعه الدولي، حيث يساهم جيل جديد من المبدعين في تحويل الغنى الثقافي والتاريخي والجغرافي للمملكة إلى أعمال قادرة على الوصول إلى الجمهور العالمي.
من الكفاءة إلى المبادرة
لم تتوقف نتائج هذه الدينامية عند التكوين والتشغيل، بل ساهمت أيضا في بروز جيل جديد من المخرجين وكتاب السيناريو والمنتجين الشباب الذين يحملون مشاريعهم الخاصة ويشاركون في التظاهرات الوطنية والدولية.
وبذلك أصبح الشاب المغربي حاضرا في مختلف حلقات الصناعة: من الفكرة والكتابة، إلى التصوير والإنتاج والتقنيات الحديثة.
وهذه من أبرز نتائج الرؤية الملكية: انتقال الشباب من البحث عن موقع داخل الصناعة إلى المساهمة في صناعتها وتطويرها.
عيد الشباب المجيد… الاحتفاء بجيل يصنع المستقبل
في مناسبة عيد الشباب المجيد، تبرز الصناعة السينمائية مثالا واضحا على ما تحقق بفضل الرؤية المتبصرة لـجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في الاستثمار في الشباب.
فالمغرب يتوفر اليوم على شباب يتكونون، ويتدربون، ويعملون، ويبدعون، ويؤسسون مشاريعهم، ويساهمون في حمل صورة المملكة إلى العالم.
وإذا كانت علاقة المغرب بالسينما قد بدأت منذ عهد السلطان المولى عبد العزيز بالانفتاح على تقنيات الصورة، وتعززت في عهد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه بالبناء المؤسساتي، وترسخت في عهد جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه بالتنظيم والدعم، فإن عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده جسد مرحلة ترسيخ الصناعة والاستثمار في الإنسان القادر على تطويرها وضمان إشعاعها.
وفي عيد الشباب المجيد، يحق للمغرب أن يعتز بجيل من الكفاءات والمواهب الشابة التي أصبحت اليوم جزءا أساسيا من الصناعة السينمائية ومن القوة الناعمة للمملكة، وتسهم بثقة في صناعة صورة المغرب ومستقبله.