عبد الرزاق كواري
كثيرة هي الدوافع والغايات التي تلهم مبدعي الميدان السينمائي والتلفزي لصياغة أفكار وكتابات، يمكن ترجمتها وفق منظومة متكاملة إلى مصنفات سمعية بصرية مختلفة، والتي تنتج لنا في نهاية الموسم باقة من الأشرطة الطويلة والقصيرة، إضافة إلى مجموعة من المسلسلات والبرامج التلفزية.
ويبقى الهدف الأسمى من هذه الإنتاجات لشريحة عريضة من مهنيي القطاع، هو تحقيق ثروة قد تساهم في تحسين ظروف فئة معينة، كما تساهم في ارتقاء فئة أخرى من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الغنية، بينما هناك شريحة عريضة من المهنيين، بالكاد تحقق لها هذه المكتسبات تغطية ضروريات الحياة.
تحقيق الثروة مطلب مشروع، لكنه يحتاج إلى حكامة وتوزيع عادل يضمن الإستمرارية والتطور، وتكافئ الفرص، لكن هناك أمر جوهري يغفل عنه عدد كبير من مهنيي القطاع في عصرنا الحالي، ألا وهو كتابة التاريخ.
سيكون من الصعب على دولة رائدة في مجال السينما، أن تكتشف ضعف حاضرها أمام ماضيها الإنتاجي إذا أخدنا بعين الإعتبار طبيعة الظروف والإمكانيات بين الفترتين، وهذا راجع بالأساس إلى التركيز المبالغ فيه على الدعم العمومي دون الاهتمام بخلق رواج إقتصادي في مجال السينما والتلفزيون، فقد أصبح الإنتاج في المغرب رهين بالمال العام.
فقد وصلنا لدرجة من الخمول والتواكل، من شأنها شل عجلة الإنتاج بصفة تامة، من أول توقف للدعم العمومي بهذا القطاع، لنكتشف حينها أننا بحاجة إلى منتجين حقيقيين قادرين على خلق الثروة وجلب العملة الصعبة للبلد، لأن ما نعيشه اليوم، وطبعا هناك إستثناءات، لأن التعميم لغة الجهلاء، فهناك منتجين رغم حصولهم على الدعم العمومي، أو اشتغالهم على مشاريع ممولة من المال العام، لا زالت أجور عدد من التقنيين والفنيين والفاعلين الذين قدموا لهم خدمات أساسية وبنيوية دينا في ذمتهم، وربما لسنوات طويلة، وهذا طبعا يجعلنا نطرح العديد من علامات الإستفهام، هل الإنتاج السينمائي والسمعي البصري في المغرب يحقق الثروة؟ أم يخلق رواجا ثقافيا فقط؟
بالحديث عن صناعة التاريخ، فالأعمال التي يراها بعض المنتجين اليوم قيم مالية، ستكون غدا أرشيفا يقدم صورة الدولة للأجيال القادمة، كما أن هذه الأعمال نفسها بعد عقود من الزمن، ستصبح أثرا أنتروبولوجيا قد يقدمنا بشكل مختلف عما نحن عليه اليوم، خاصة إذا كانت إنتاجاتنا لا تشبهنا، ولا تعالج قيمنا وتراثنا المادي واللامادي.
نحن إذا أمام إلتزام ثقيل ليس كما يتصوره البعض، هذا ما يلزمنا كمنتجين وفاعلين في قطاع السينما والسمعي البصري، أن نستحضر كتابة التاريخ في أعمالنا، ونحرص بشدة على تدوينه بمداد من ذهب.
فالإنتاج ليس عملية تجارية فقط، بل هو مزيج متنوع ومعقد من التأثيرات والمؤثرات على المستوى الداخلي والخارجي، تستلزم استحضار الروح الوطنية والأمانة الثقافية والعلمية في تنفيذ الإنتاجات، فالمسألة أسمى من أي خلاف سياسي أو توجه إيديولوجي، لأن الفيلم أو المسلسل يعتبر سفيرا فوق العادة للبلد، هذا السفير قادر على إختراق العصور والأزمنة، سواء في حاضره أو ماضيه.
من المفارقات الغريبة أن تكون أعمالنا السينمائية والتلفزية مدعمة بالكامل من المال العام، ومع ذلك تجد معظمها لا تتماشى مع ذوق الجمهور، وهذه بحد ذاتها مركز الثقل الذي يجب أن تبنى عليه انتاجاتنا المستقبلية، لأن إحترام رغبة وذوق الجمهور، واحترام ثقافاتهم وعاداتهم، من شأنه إعادة الحياة للقاعات السينمائية، وخلق رواج إقتصادي حقيقي، يمكن أن نسميه مصالحة مع الجمهور، فإذا رجع الجمهور إلى القاعات السينمائية، سنكون حينها أمام صناعة سينمائية وطنية ناجحة.