هيئة التحرير
متى تنفتح كليات القانون والاقتصاد والعلوم الاجتماعية والفلسفة واللغات على الصناعة السينمائية والسمعية البصرية؟
لم تعد الصناعة السينمائية والسمعية البصرية مجرد مجال فني مرتبط بالإخراج والتمثيل والتصوير، بل أصبحت منظومة اقتصادية وقانونية واجتماعية وفكرية، تتقاطع داخلها حقوق الملكية الفكرية، وعقود الإنتاج، والاستثمار والتمويل، والتدبير المقاولاتي، والتسويق، وفلسفة الصورة والتواصل متعدد اللغات.
ومع ذلك، ما يزال حضور هذه الصناعة في كليات القانون والاقتصاد والعلوم الاجتماعية وشعب الفلسفة واللغات بالمغرب محدودا، سواء كتخصص للتدريس أو مجال للبحث العلمي الرصين. ومن هنا يطرح السؤال: متى تنتقل الجامعة من الاهتمام العرضي بالسينما إلى اعتبارها حقلا علميا ومهنيا قائما بذاته؟
السينما ليست حكرا على المعاهد الفنية
تتولى معاهد السينما، أساسا، تدريس المهن الفنية والتقنية، مثل الإخراج والتصوير والمونتاج والصوت وكتابة السيناريو. أما الكليات، فيمكنها دراسة الصناعة السينمائية انطلاقا من تخصصاتها الأصلية، دون أن تتحول إلى معاهد مهنية.
فطالب القانون يستطيع دراسة التشريع السينمائي، وعقود الإنتاج والتوزيع، وحقوق المؤلف، وقانون الشغل الفني، والدعم العمومي والإنتاج المشترك. ويمكن لطالب الاقتصاد والتدبير الاشتغال على تمويل الأفلام وإدارة شركات الإنتاج والمهرجانات والمنصات وتسويق الأعمال وتقييم الأثر الاقتصادي للقطاع.
أما طلبة العلوم الاجتماعية، فيمكنهم دراسة علاقة السينما بالمجتمع والهوية والتحولات الثقافية، وتمثلات الشباب والمرأة والهجرة والأسرة، إضافة إلى دراسة الجمهور وأنماط استهلاك المحتوى السمعي البصري.
الفلسفة وفهم الصورة والنقد السينمائي
تكتسي الفلسفة أهمية خاصة، لأن الصورة ليست مجرد وسيلة للعرض، بل أداة لإنتاج المعنى وتمثيل الواقع. ويطرح الفيلم أسئلة مرتبطة بالحقيقة والخيال والذاكرة والزمن والهوية والحرية والأخلاق والجمال.
ويمكن لطلبة الفلسفة الاشتغال على فلسفة الصورة، وجماليات السينما، وأخلاقيات التمثيل، وفلسفة السرد وتحليل الخطاب البصري. كما تتيح الفلسفة تطوير نقد سينمائي يتجاوز تلخيص الفيلم والانطباع الشخصي نحو تحليل لغته وصوره ورؤيته الفكرية والجمالية.
اللغات الأجنبية بوابة إلى السينما الدولية
يشمل هذا الانفتاح أيضا طلبة اللغات الأجنبية، خصوصا الإنجليزية والصينية والكورية والروسية والإسبانية والفرنسية والتركية. فإتقان هذه اللغات يتيح فرصا في الترجمة والكتابة التحتية والدبلجة، وترجمة السيناريوهات والعقود، ومواكبة فرق التصوير الأجنبية، والعمل في المهرجانات والأسواق الدولية.
كما تسهم الكفاءات اللغوية في تطوير الإنتاج المشترك، وتسويق الفيلم المغربي دوليا، واستقطاب الإنتاجات الأجنبية والانفتاح على أسواق جديدة. وهكذا تتحول اللغة من وسيلة للتواصل إلى كفاءة مهنية واستراتيجية داخل الصناعة السينمائية.
دروس من التجارب المقارنة
تبين التجارب الجامعية الدولية أن دراسة السينما تقوم على تعدد التخصصات. ففي فرنسا، تجمع بعض البنيات الجامعية بين السينما والفنون والفلسفة والجماليات. وفي بريطانيا، توجد مسارات تجمع الدراسات السينمائية بالفلسفة والتاريخ والمجتمع. أما في الولايات المتحدة، فيمكن للطلبة الجمع بين السينما والإنتاج والكتابة الإبداعية وإدارة الأعمال والإعلام والتكنولوجيا.
وتؤكد هذه التجارب أن السينما ليست تخصصا مغلقا، بل فضاء تلتقي داخله الفنون والقانون والاقتصاد والفلسفة وعلم الاجتماع واللغات والتدبير.
من دراسة الحالة إلى حقل علمي مستقل
ينفتح عدد من الطلبة على السينما من خلال بحوث الإجازة والماستر والدكتوراه، لكنها تظل غالبا مجرد دراسة حالة؛ إذ تدرس شركة إنتاج كنموذج للمقاولة، أو مهرجان باعتباره حالة للتدبير الثقافي، أو فيلم باعتباره مادة لتحليل ظاهرة اجتماعية أو فلسفية.
ورغم أهمية هذه البحوث، فإن المطلوب هو الانتقال إلى حقل علمي منظم، تتكامل داخله المقاربات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والفلسفية واللغوية، وتنتج بشأنه المراجع والبيانات والدراسات المقارنة.
تخصصات تقود إلى المهن السينمائية
يشكل خريجو هذه التخصصات نواة مهمة لمهن إدارة الإنتاج، والشؤون القانونية والمالية، وتدبير الموارد البشرية، وتنظيم مواقع التصوير، والتوزيع والتسويق، وإدارة المهرجانات، والنقد والبرمجة والترجمة السمعية البصرية.
وحتى مهنة الإخراج لا تقوم على المعرفة التقنية وحدها، فالمخرج يدير مشروعا معقدا وفريقا متعدد التخصصات، ويحتاج إلى ثقافة اجتماعية وفلسفية تساعده على بناء رؤيته الجمالية والفكرية. ولا يعني ذلك أن التكوين الجامعي العام يغني عن التكوين الفني، بل إنه يشكل قاعدة معرفية يمكن استكمالها بالتأهيل التقني المتخصص.
من متدرب إلى مهني سينمائي محترف
يمكن للطالب أو الخريج أن يبدأ مساره متدربا داخل شركة إنتاج أو توزيع، أو في موقع للتصوير، أو داخل مهرجان أو مؤسسة سينمائية. ويتيح له التدريب اكتساب الخبرة وفهم مراحل صناعة الفيلم وبناء شبكة مهنية.
ومع تراكم التجربة والمشاركة في الأعمال، يمكنه استيفاء الشروط المطلوبة للحصول على بطاقة المهني السينمائي، والانتقال من التدريب والمساعدة إلى الاحتراف في إدارة الإنتاج أو المحافظة أو الشؤون القانونية والمالية أو التوزيع والتسويق أو النقد والترجمة.
ويقتضي ذلك بناء مسارات تربط التكوين الجامعي بالتدريب والممارسة المهنية، حتى تصبح الشهادة مدخلا فعليا إلى سوق الشغل السينمائي والسمعي البصري.
نحو عرض جامعي متعدد التخصصات
يمكن للجامعات المغربية إدراج وحدات في قانون السينما والسمعي البصري، واقتصاد الصناعات الثقافية، وإدارة الإنتاج، وسوسيولوجيا الصورة والجمهور، وفلسفة السينما، والنقد وتحليل الخطاب البصري، وحقوق المؤلف، وتدبير المهرجانات، والترجمة السمعية البصرية، واقتصاد المنصات والتحول الرقمي. كما يمكن إحداث مسالك للماستر ومختبرات وفرق بحث تجمع أساتذة القانون والاقتصاد والتدبير وعلم الاجتماع والفلسفة واللغات والإعلام والفنون، مع اعتماد تكوين مزدوج يسمح لطلبة هذه التخصصات بدراسة السينما، ولطلبة السينما باكتساب معارف قانونية واقتصادية واجتماعية ولغوية.
اتفاقيات شراكة لتنزيل المشروع
يتطلب تحويل هذا التصور إلى برامج عملية توقيع اتفاقيات للشراكة والتعاون تجمع قطاع التواصل والمركز السينمائي المغربي ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ووزارة الاقتصاد والمالية والجامعات العمومية والخاصة.
ويمكن أن تشمل هذه الاتفاقيات إحداث مسالك ووحدات متخصصة، وتنظيم برامج للتدريب والزيارات الميدانية، وتأطير مشاريع التخرج ورسائل الماستر وأطروحات الدكتوراه، وإحداث مختبرات ومراصد وكراس جامعية، والاستعانة بالمهنيين في المحاضرات والندوات والدروس التطبيقية.
وتتولى وزارة التعليم العالي مواكبة إدماج هذه التخصصات في العرض الجامعي وتشجيع البحث العلمي، بينما تسهم وزارة الاقتصاد والمالية في دراسة آليات التمويل والتحفيز وضمان استدامة البرامج. ويضمن قطاع التواصل والمركز السينمائي المغربي ارتباط التكوين بالحاجيات الفعلية للصناعة والمهن السينمائية.
وينبغي أن تتضمن هذه الاتفاقيات أهدافا قابلة للقياس، وبرامج سنوية، وآليات واضحة للتمويل والتتبع والتقييم، حتى تصبح جسرا حقيقيا بين الجامعة والمؤسسات والمقاولات والمهنيين.
الجامعة شريك في بناء صناعة سينمائية قوية
لا يتحقق تطوير الصناعة السينمائية ببناء الاستوديوهات وزيادة الدعم العمومي فقط، بل يحتاج أيضا إلى إنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات القانونية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية والفكرية واللغوية.
لقد حان الوقت لكي تنظر الجامعة إلى السينما بوصفها صناعة ومجالا للاستثمار والتشغيل والابتكار، وموضوعا للسياسات العمومية والبحث العلمي. وعندها ستنتقل من موقع المراقب إلى موقع الشريك في تكوين جيل من الباحثين ومديري الإنتاج والمنتجين والمخرجين والنقاد والمترجمين والمسؤولين القانونيين والماليين، القادرين على الجمع بين الإبداع والكفاءة المهنية والمعرفة العلمية.