عبد الرزاق كواري
كثيرة هي الأسباب التي تحول دون نجاح وانتشار عدد كبير من الأعمال السينمائية والتلفزية، رغم طموح وإرادة مبدعيها، والجميع يتساءل عن السبب الحقيقي لهذا الفشل المخزي، سميته بالمخزي لأنه يساوي بين الإنتاج والمنتوج، فهناك فرق كبير بين الإنتاج الذي يتضمن إنتاجا فكريا وفنيا وتجاريا، كما يتوفر على رؤية استراتيجية لما قبل وبعد الإنتاج، هذا ما ينطبق على عدد من الأعمال المغربية الناجحة، بينما المنتوج، هو العمل الذي أنتج بدون روح ولا إبداع فكري ولا فني، كان الهاجس الوحيد لدى منتجيه بشتى مراتبهم الهرمية، إنهاء التصوير في أقرب وقت ممكن وبأقل تكلفة ممكنة، فالهدف الأسمى بالنسبة لهم هو الإنتاج من أجل الإنتاج، تكفيهم الدراهم المعدودة التي يجنونها من ذلك العمل، بل الأكثر من هذا، تجد متبني هذا الفكر ينتجون كما هائلا من الأعمال دون روح، وكأننا في مصنع مادة خام لاستهلاك روتيني أو لمضيعة الوقت فقط.
الأعمال التي تنتج لسد الفراغ فقط، ستصبح يوما ما وصمة عار على المجال كله، وقد تصبح معيارا لتقييم المستوى الوطني كله، كما قد تتسبب في أحكام مسبقة تجمع الجميع في سلة واحدة، في حين تلعب الإبداعات الفكرية والإنتاجات الفنية المحترمة دور السفير العابر للحدود، الذي يسوق صورة إيجابية عن الوطن، ويفتح المجال للاستثمار والسياحة، فيكون كالبلسم، أينما حل وارتحل جاءنا بخير كثير.
لن نتناول الحديث في مقالنا هذا عن المنتجات السينمائية والسمعية البصرية الضعيفة رغم كثرتها، لأن التفصيل حولها سيشعرنا بالإحباط، وقد يكون مضيعة للوقت، على اعتبار أن أصحاب هذا المنهج مقتنعون تماما بما يفعلونه، حتى ولو كانوا جزءا من منظومة الإصلاح أو الدفاع عن مصالح الميدان، فهذا النهج يحقق لهم المصلحة الأسمى، لهذا فهم يجتهدون لتشخيص دور الضحية والبطل معا خلف الكواليس، وهذا ما تعيشه عدد من المؤسسات في عدة مجالات، لكن ما يهمنا اليوم كما قلنا سابقا، هو المساهمة في تطوير وتأطير الإنتاجات المغربية المتميزة، والتي تستحق لقب الإبداعات، وطبعا كل واحد منا داخل هذا المقال، سيصنف نفسه في الخانة التي تناسبه، لأننا هنا لا نصدر أحكام قيمة أو نصنف المنتجين ومهنيي القطاع، بقدر ما نسلط الضوء على مكامن الخلل التي من شأنها رفع وثيرة المنافسة العالمية بمجرد لملمتها، وذلك في إطار النقد البناء، أملا في صياغة غد أفضل يحقق مصلحة الوطن الفضلى، لأنها البوابة الأكبر لتحقيق المصالح الشخصية المشتركة.
إن العمل السينمائي أو التلفزي الناجح الذي من شأنه تحقيق مصالح استراتيجية هامة للوطن، كحصد جوائز كبريات المهرجانات العالمية، وضمان تواجد الأعمال المغربية بقوة في المحافل الدولية الكبرى، إضافة إلى قبول عرض إنتاجاتنا على أقوى القنوات والمنصات العالمية، والأكثر من ذلك تعزيز العلامة الوطنية، ما سيرفع قيمتنا كبلد سينمائي، خاصة وأننا لا ينقصنا شيء، نحتاج إلى الأمانة والإخلاص في أعمالنا فقط.
لكن لا يمكننا تحقيق هذه الغايات ونحن نصور شريطا سينمائيا طويلا في أقل من ثلاثة أسابيع، ونصور مسلسلا تلفزيا في أقل من شهر، لتجد المبدعين تائهين بين باقة من المسلسلات والأفلام المتراكمة على أجنداتهم المهنية، فهناك من المخرجين والممثلين من يشتغل في أربعة مسلسلات وثلاثة أفلام وفيلم سينمائي وربما مسرحية في سنة واحدة، وهذا لا نراه بتاتا في الدول التي تحترم إنتاجاتها، نحن بحاجة إلى احترام أعمالنا، فإنتاج فريق عمل لمسلسل واحد في السنة، يعتبر في الدول الرائدة في الميدان إهمالا لقيمة هذا المسلسل الإبداعية، وتصوير فيلم سينمائي واحد في سنة واحدة قد يستوجب محاسبة مهنييه بشبهة تقصير فريق العمل في مهامه.
فتخيلوا معي عندما تقدم إنتاجا صور في أقل من شهر للمشاركة الدولية، فأنت حكمت عليه قبل ولادته، وجعلته الحلقة الأضعف، كما حكمت على مبدعيه بالضعف، وعرضتهم للنقد والانتقاد الذي سيكون صوابا مهما على شأن هذا المخرج أو الممثل، هذه المدة الزمنية لا تكفي حتى مدير التصوير لوضع تصوره الفني لوقت ومكان التصوير، ولا تمنح المهام التقنية الأخرى الوقت للتأمل والتفكير في أقوى المقترحات التي تزيد من قيمة الفيلم، فكيف بممثل تسلم سيناريو للتو، بل أكثرهم تجده مكرها لاستظهار النصوص فقط، فأصبحنا أمام مبدعين يعيدون قراءة النص أمام الكاميرا التي لا ترحم، ولا تترك لهم متنفسا لمراجعة المشهد، أما المخرج، والذي من المنطقي أن يكون أكثر من يحتاج إلى خلوات طويلة للتشبع بالسيناريو وخلق صورة فنية من خلال رؤية المشاهد والاقتناع بها في مخيلته، قبل أن يطبق عليها قواعد الفن السابع لتصبح لها دلالات مفهومة وقادرة على إقناع لجان التحكيم العالمية الصارمة، وحتى يستطيع تأطير الممثل ليشخص الأدوار بروح السيناريو، ونهج الرؤية الإخراجية، كما سنحتاج لتقنيين ومهندسين أكفاء، على دراية شاملة بالإعدادات اللازمة والضرورية لكل إنتاج، لا أشخاص يتقنون الضغط على زر التصوير فقط، كما نحتاج إلى أجهزة مفعلة الصلاحيات الضرورية والمطلوبة عالميا، لا أجهزة تحمل اسم العلامات الكبرى، لكن صلاحياتها مقيدة بالكامل، وبالتالي تتساوى مع أضعف الأجهزة التي تغزو السوق الوطنية، والأخطر من ذلك، هي عملية التوظيب وتصحيح الألوان التي قد تعصف بمجهودات فريق العمل برمته، إذا استندت لأشخاص غير مؤهلين بما يكفي لهذه العملية الصعبة، هذه التفاصيل قد تبدوا بعيدة عن الموضوع، لكن الحقيقة المرة، أن من شأنها إنجاح أو إقبار العمل بأكمله.
… فعندما نقول أن السرعة تقتل فهذا لا ينطبق على الطريق السيار فقط، بل ينطبق على كل المجالات خاصة الإبداعية منها، فالسرعة في الإنتاج، تقتل روح العمل وتجعل منه وسيلة تواصل جاف، لا فرق بينه وبين إنتاجات الذكاء الاصطناعي التي قد تتفوق عليه في قيمة المغامرة وحركات الكاميرا المكلفة.
… هنا نطرح السؤال الذي قد يكون جوابه محرجا: لماذا تتفوق كفاءاتنا الوطنية من فنيين وتقنيين بالأعمال الأجنبية، بينما نراهم بشكل أضعف في إنتاجاتنا المحلية؟
لقد حان الوقت لإعادة الاعتبار لأعمالنا ولمبدعينا في شتى المجالات، ومنح الفرصة لكفاءاتنا القادرة على خلق التميز ومواكبة التطور العالمي بعيدا عن كل الخلافات والاعتبارات المادية الضيقة، وإدماج المتطفلين على الميدان من خلال تكوينهم وتدريبهم دون حرق للمراحل الضرورية، حتى نرفع كفاءتهم ونجعلهم فخورين بأنفسهم أيضا، بدل تركهم كوسيلة لهدم قيمة الإنتاجات، خاصة في ظل الإرادة القوية للمؤسسات العمومية، التي بادرت بتجديد الترسانة القانونية، وتجديد الضوابط القانونية التي من شأنها الحد من الممارسات المسيئة للمهنيين والمبدعين المحليين.
من بين التفاعلات الإيجابية للمؤسسات العمومية في هذا الشأن، البلاغ الأخير للمركز السينمائي المغربي الذي فرض من خلاله على جميع الشركات الناشطة في مجال السينما والسمعي البصري، التصريح بنشاطاتها وبأطقمها التقنية، والمعدات التي تستعملها أو تخصصها للكراء في الميدان، إضافة إلى هندسة الأستوديوهات والأماكن المعدة لأي عمل له علاقة بالميدان، من أجل جردها وتقييم مامدى توفرها على المعايير القانونية في أجل أقصاه 30 شتنبر من هذه السنة، هذا الإجراء الصارم من شأنه السهر على مواكبة موجة الإصلاح الشامل للميدان السينمائي والسمعي البصري ببلادنا، لكننا كمهنيين ومؤسسات غير حكومية مطالبون أيضا بالمساهمة في هذا الورش الإصلاحي الكبير، حتى نعيد كتابة المجد والتاريخ الذي من شأنه زرع الفخر والامتنان في قلوب الأجيال القادمة