هشام حيضار
ليست السينما المغربية مجرد صناعة ترفيهية أو ممارسة فنية معزولة عن سياقها الاجتماعي، بل هي أحد أكثر التعبيرات عمقًا عن مفهوم تمغربيت باعتباره منظومة قيم، وذاكرة جماعية، وتاريخًا مركبًا تشكل عبر قرون من التلاقح الحضاري. فالسينما، بما تملكه من قدرة على السرد البصري، أصبحت اليوم أداة مركزية لطرح سؤال الهوية المغربية: من نحن؟ وكيف نحكي أنفسنا؟ ولمن؟
لقد نشأت السينما المغربية في سياق تاريخي خاص، مرتبط بمرحلة ما بعد الاستعمار، حيث كان الهمّ الأول هو استعادة الصوت المغربي بعد سنوات من التمثيل الكولونيالي المشوَّه. أفلام مثل «وشمة» لحميد بناني و«السراب» لأحمد بوعناني لم تكن مجرد تجارب فنية، بل كانت بيانات ثقافية تعلن ميلاد سينما تبحث عن ذاتها، وتفكك علاقتها بالذاكرة، وباللغة، وبالجسد المغربي في الفضاء العام.
تمغربيت في السينما لا تعني الانغلاق أو الفولكلرة السطحية، بل تعني القدرة على تحويل الخصوصي المحلي إلى سؤال إنساني كوني. فحين يتناول المخرج المغربي القرية، أو المدينة العتيقة، أو الهجرة، أو المرأة، أو السلطة، فهو لا يفعل ذلك من باب التزيين الثقافي، بل من موقع مساءلة الواقع. وهنا تكمن قوة السينما المغربية: في جرأتها على اقتحام المسكوت عنه، وعلى تفكيك البنى الاجتماعية دون ادعاء أخلاقي أو خطاب جاهز.
وتتجلى تمغربيت أيضًا في التعدد اللغوي داخل الفيلم المغربي: الدارجة، الأمازيغية، الحسانية، العربية الفصحى، بل وحتى الفرنسية والإسبانية، وهو ما يعكس حقيقة المغرب كفضاء تعددي لا أحادي. هذا التعدد لم يعد عائقًا أمام الفهم، بل أصبح عنصر غنى جمالي وسردي، كما نراه في أفلام أمازيغية استطاعت أن تحصد جوائز دولية دون أن تتنازل عن لغتها أو مرجعيتها الثقافية.
من جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن السينما المغربية دون استحضار رهان الاستقلال الفني. فتمغربيت السينمائية تتجلى حين يرفض المخرج أن يكون مجرد منفذ لصورة نمطية موجهة للخارج، وحين يُصرّ على إنتاج خطاب بصري نابع من الداخل، حتى وإن كان نقديًا وقاسيًا. لقد أثبتت تجارب عديدة أن الصدق الفني، وليس التنازل، هو ما يمنح الفيلم المغربي حضوره الدولي واحترامه النقدي.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات: هشاشة البنية الإنتاجية، ضعف التوزيع، غياب قاعات العرض، والتوتر الدائم بين منطق السوق ومنطق الإبداع. ومع ذلك، فإن السينما المغربية تواصل شق طريقها، مستندة إلى جيل جديد من السينمائيين الذين ينظرون إلى تمغربيت لا كقيد أيديولوجي، بل كأفق مفتوح للتجريب والتجديد.
في المحصلة، يمكن القول إن السينما المغربية اليوم تقف في قلب معركة رمزية كبرى: معركة امتلاك الصورة والسيادة السردية. إنها سينما لا تدّعي الكمال، لكنها تمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة، ولجعل الشاشة فضاءً للتفكير في الذات المغربية بكل تناقضاتها. وهنا بالضبط تتجسد تمغربيت: في الصدق، في التعدد، وفي الإيمان بأن الحكاية المغربية تستحق أن تُروى بأصوات أبنائها، وبعيونهم هم، لا بعيون الآخرين.