هشام الودغيري
إن امتلاك رؤية واعية تجاه الأعمال السينمائية، بعيدًا عن تأثيرات التحيز لبعض النقاد في إشاداتهم المبالَغ فيها بفيلم أو مخرج معين، تُعد حجر الأساس لفهم وتحليل نجاح أو فشل أي عمل سينمائي. باستعراض هذه الرؤية، يُمكن الكشف عن تفاصيل وعناصر نجاح أو فشل سياسات فيلمية وإنتاجية غالبًا ما تغفلها الجماهير العريضة.
في ذلك، يقوم دور الناقد الحقيقي على السعي نحو موضوعية نقدية مؤسِّسة، مع العمل كقوة اقتراحية محفِّزة نحو التوق لخلق سينما أصيلة تتجاوز السطحية والتفاهة السائدة، وترتقي لتكون سينمانا المغربية “ثقافية” وبامتياز، تعكس بعمق القضايا الاجتماعية والاقتصادية والهوياتية للمجتمع.
بالتأكيد أن العملية النقدية الواعية تَسُد فجوة مهمة في منظومة الإنتاج الوطني، ومع غياب تلك الحلقة، تبقى سينمانا بعيدة على تحقيق تطلُّعاتها المتعلقة بالتأثير الجماهيري والارتقاء بالمحتوى الفني والفكري المقدَّم له، بحسُبان أن السينما تمثل ممارسة ثقافية تفاعلية ومتقدمة بمنظور حضاري خلدوني. على عكس واقع الحال الذي غالبًا ما يختزل “السينما” في أنماط غربية مُستوردة تُركِّز على نظام النجوميةstar-system كأداة رئيسية لترويج الإنتاجات السينمائية عبر وسائل الإعلام، في ظل تغيُّرات ذوقية/جمالية واجتماعية سريعة التغيير كونيًا.
في أثر ذلك، لا يزال الإنتاج السينمائي المغربي على هامش “التيار النقدي” القائم هناك بالدول الرائدة سينمائيًا، وخارج إطار التفكير المعمَّق والتشاركي في دوره الاجتماعي والتثقيفي هنا؛ وحيث لم تحظَ الممارسات النقدية السينمائية بالمغرب، على هشاشتها، بمكانة راسخة ضمن الثقافة الوطنية، ولا سيما لدى الفاعلين المهنيين، أو كرافعة للمتخيَّل الجمعي في تطوير منتوج هُوياتي وطني رفيع المستوى الفني. أتذكر هنا طرح بيرتولت بريخت بخصوص “عالم الفن”، الذي بمؤسساته ونقاده وأدبياته الفكرية، يساهم في تشكيل مواقف ثقافية ضمن سياقات اجتماعية مختلفة، وهو القائل: “تساهم جميع الفنون في أعظم الفنون على الإطلاق، ألا وهو فن الحياة“.
مغربيا، مع حصر وتجميد ميزانية دعم الإنتاج السينمائي في 75 مليون درهم سنويا (بصيغة سنة 2011 بلغ الرقم ل60 مليون درهم، مع إضافة غلاف 15 مليون درهم يَخُص إنتاج الأفلام الوثائقية حول الثقافة الحسَّانية سنة 2015)، وعلى تحجرها السلبي في مواكبة التضخم الاقتصادي ومواجهة تنافسية الإنتاجات الدولية، يظل التركيز (حكوميا) أساسًا على توفير فُرص العمل لِكَمٍ مُعتبر من التقنين والفنيين (يتوفر المغرب على كفاءات مهنية عالية مشهود لها دوليًا)، مع الحرص على استمرار إنعاش نشاط القطاع ولو بشكل خجول،كسياسة حكومية ثابتة.
تَحَجُّر الدعم الحكومي في مبلغ 75 مليون درهم منذ2011 و2015 (يمثل إنتاج معدل 30 فيلما سنويا بالمغرب، كما يمثل متوسط إنتاج إثنين إلى ثلاثة أفلام بفرنسا، مثلا)، يتخذ موقفًا سياسيًا محافظًا في ظاهره، ومتخلفًا رجعيًا في باطنه، قاد إلى فقدان الديناميكية المطلوبة مهنيا وجماهيريا، للنهوض بالمشاريع الإبداعيةالتي تعكس رؤية طلائعية ومتجدِّدة لسينمانا الوطنية. تحصيل حاصل ذلك، أصبحت “آلية الدَّعم”، ومنذ تاريخصياغتها القانونية، تَدعم أساسًا رُؤى تقليدية مستورَدة ومتجاوَزة، يقودها توجُّهٌ محافظ (ربما لا واعي) يحمل نظَّارات غربية، مِما حدَّ وقلَّص من فُرص إنتاج سينما ذات طابع وطني هُوياتي نوعي وبسقف مخيالي كوني.(مثلا، من العبث الإبداعي والإنتاجي إنجاز فيلم سينمائي بمواصفات مهنية بأقل من 10 مليون درهم بعد جائحة كوفيد فصاعدًا).
كل ذاك، في سياقات بيروقراطية بعيدة عن الحداثة المنشودة مجتمعيًا، ومبدأ التشاركية الدستورية في الاختيارات التفاضُلية (هيمنة منطق الإملاءات السياسوية والولاءات العقيمة)، تكرس لإنتاج أفلام هجينة تستنِد إلى أنماط مُستمَدة من ثقافات أجنبية مُستهجَنة عن غير أساس معرفي وإبداعي، مجرد تقليد أعمى وسوء فهم كبير من طرف مدَّعين وأشباه سينمائيين، بدلاً من معايشة واقع المجتمع المغربيواستنباط كنوزه الدفينة.
تلكم الممارسات اللامهنية، عمّقت الهوة بين الأفلام الموجهة للجمهور المحلي وتلك المُعدَّة (توهمًا ومغالطة) للمشاركات في المهرجانات الدولية باسم “المغرب”، وأحيانا ادُّعيَ أن تلك المعروضة في المحافل الدولية (كثير منها أصبحت تجارة سياسوية بامتياز) هي نِتاج لسياسات إنتاجية مغربية تميل لتجميل تلك التَّصورات التخييلية “محليًا” في علاقاتها بالطَّرح الإنتاجي العالمي (في إطار موضة اقتباسات تخييلية مَا، ذات نَزَعات نِسوانية و/أو مِثلية جنسانية، مثلا)، غافلة عن الانغراس المطلوب محليًا، كسند هوياتي شرعي وسط محافل جوقة الأمم (والنماذج القدوة كثيرة من فلسطين مثلا حتى اليابان بوصلة).
بالتالي، باتت السينما المغربية ضحية ثُنائية مؤلمة ثقافيًا: معايير جمالية دولية هجينة (بفعل دكتاتورية لوبي متحكم في اللعبة) بعيدة عن خصوصيات المجتمع المغربي، حتى ما يُتعارف عليه من معايير فنية كونية سامية، ونشوء فئة جمهور محلي يشعر بالاغتراب تجاه معظم الإنتاجات الوطنية المدعَمة أجنبيا.
هذه الإشكالية، تعكس قصورًا بنيويًا واضحًا في عجز قُدرة السياسة العمومية (الجهة المموِّلة الأساسية داخليًا) على تحريك شرائح جماهيرية حقيقية نحو بدائل لفرجة سينمائية داخل سياقات إنتاجها وعرضها التجاري والترفيهي، وتوزيعها الجغرافي العادل، مما يبرهن على واقع عجز الجهات الفاعلة سياسيًا، في تفعيل سوق محلي مزدهر (ولو من باب العرض الثقافي الغير ربحي)،لتسويق وتصريف إنتاجات يضل جُلها حبيس حلقة المهرجانات المحلية والأندية السينمائية، على محدودية قاعدتها الجماهيرية والجغرافية.
على ضوء ما سبق ذِكره أعلاه، أصبحت الحاجة مُلِحة بضرورة إعادة تقييم التوازنات بين السلطات الثلاث: السياسية والإدارية والمُبدعة، وهي مسألة جوهرية في تحديد خريطة النهوض بالمشروع السينمائي الوطني، إذ لا يمكن تصحيح مسار التطوُّر الحاصل (كَمًا) منذ بداية الألفية، دون التصدي للتَّوجهات المَعِيبة، من حيث كسر تَحَجُّر اعتمادات صندوق الدعم، وتجاوز تقادُم صيغة التسبيق على المداخيل (في الأقل قانونيا)، وغلق بابالتوجهات الإملائية التي تمنح الأولوية للتمويلات المستوردة وللتوافقات السياسوية، فضلاً على ضرورة الوعي بإنهاء العمل على ضوء تزكيات ورؤى نقدية شخصانية/محلية موجَّهة بِنِيَّات مُبيتة خارجيًا، على حساب بناء صناعة سينمائية مغربية/هوياتية متكاملة،قائمة على بلورة استراتيجيات وممارسات ثقافية تخدُم كافة شرائح الجمهور المغربي (بما فيه المقيم بديار المهجر)، وتسعى لفهمٍ أعمق للعوامل التي أبطأت نمو الصناعة السينمائية الوطنية وأثَّرت على جودتها الفنية والتنافسية.
على أن تأخذ هذه التوجهات بعين الاعتبار، الصراع الاقتصادي الداخلي مهنيا، والمنافسات غير الشريفة بين صُناع الأفلام أمام هزالة كعكة الموارد المالية، بعيدًا عن قمع الأفكار الجديدة والمتطورة أو التعامل معها بازدراءالمتكبر الماكر، مع إعادة الاعتبار للتشاركية الديمقراطية في سبيل إرساء صناعة سينمائية وطنية، كوسيلة أساسية للإبداع الفني بتعدد مهنييه والمتدخلين المؤسساتيين به، بغية تعزيز المنظومة الثقافية والاجتماعية المطلوبة من طرف الجميع، في نهج تطوير تأصيل الهوية الوطنية بشكل مستمر وفاعل وذكي، ترسيخًا لسياسات عمومية بناءة تُكرِّس مكانة السينما في وجدان العامةكثقافة توعوية جماهيريًا وبامتياز.
جوهر طرحي هذا، يتمثل في تجاوز مناخ الدَّعم العمومي المعطوب والإنتاج التافِه والسطحي الحالي، مع نهج سُبل الارتقاء بالقيمة الكيفية والنوعية للمحتوى السينمائي بطابع نبوغ “التامغرابيت“، بحيث يكون أداةً فعَّالة لإعادة صياغة سياسة عمومية دينامكية تدعم الفنون بشكل شامل (حتى المسرح والكِتاب والتشكيل يعانون عطب أليات الدعم العمومي)، تأسيسًا لتوجه مستقبلي يليق بتطلعات صناعة سينمائية مغربية جديرةبإعلاء الراية المغربية بالمحافل الدولية.