عبد الإله الجوهري
يفتتح مهرجان كان السينمائي دورته التاسعة والسبعين بفيلم يحمل توقيع المخرج الفرنسي Pierre Salvadori، في اختيار يعكس توجهاً فنياً واضحاً نحو سينما تعيد الاعتبار للخيال والسرد الإنساني العميق. فيلم “La Vénus électrique” لا يأتي فقط كعمل افتتاحي، بل كبيان جمالي يحدد نبرة هذه الدورة منذ لحظاتها الأولى.
يأخذنا الفيلم إلى باريس أواخر عشرينيات القرن الماضي، حيث تتقاطع التحولات الفنية الكبرى مع نزعة إنسانية تبحث عن المعنى وسط عالم يتغير بسرعة. هذا الإطار الزمني ليس مجرد خلفية، بل عنصر أساسي في بناء رؤية الفيلم، حيث تتحول المدينة إلى فضاء حي ينبض بالتناقضات بين العقل والروح، الحقيقة والوهم.
تدور أحداث العمل حول فنان يعيش أزمة وجودية بعد فقدان زوجته، فيحاول التواصل معها عبر وسيطة روحية، قبل أن يجد نفسه داخل شبكة معقدة من الأكاذيب والمشاعر المتداخلة. من خلال هذه الحبكة، يطرح الفيلم أسئلة عميقة حول الحاجة إلى الوهم كوسيلة لمواجهة الألم، وحول الحدود الدقيقة بين الحقيقة وما نرغب في تصديقه.
يعتمد الفيلم على طاقم تمثيلي بارز، من بينهم Pio Marmaï، Anaïs Demoustier وGilles Lellouche، في أداء يجمع بين الحس الكوميدي والبعد الدرامي، وهو التوازن الذي يشكل جوهر سينما سلفادوري.
من الناحية الأسلوبية، يستلهم المخرج روح الكوميديا الكلاسيكية، متأثراً بأسماء بارزة مثل Ernst Lubitsch وBilly Wilder، حيث يقوم البناء السردي على سوء الفهم والتلاعب بالحقائق، في إطار بصري وإيقاعي دقيق يعيد إلى الأذهان زمن السينما التي كانت تعتمد على الكتابة المحكمة والذكاء الدرامي.
اختيار هذا الفيلم لافتتاح المهرجان يحمل أكثر من دلالة. فهو من جهة تكريم لمسار مخرج راكم تجربة طويلة داخل السينما الفرنسية، ومن جهة أخرى إعلان ضمني عن رغبة “كان” في الحفاظ على هويته كفضاء يحتفي بسينما المؤلف، في زمن تتزايد فيه هيمنة المنصات الرقمية وأنماط الإنتاج السريع.
كما أن قرار عرض الفيلم بالتزامن داخل القاعات السينمائية الفرنسية يشكل خطوة مهمة نحو إعادة إحياء العلاقة بين الجمهور وقاعات العرض، في محاولة لاستعادة البعد الجماعي للتجربة السينمائية.
في المقابل، يعيد هذا الحدث طرح تساؤلات مشروعة داخل السياق المغربي: كيف يمكن للسينما الوطنية أن تبلغ هذا المستوى من الحضور الدولي؟ وهل نمتلك اليوم مشروعاً سينمائياً واضح المعالم قادر على المنافسة في منصات كبرى مثل مهرجان كان؟
الجواب لا يرتبط فقط بالإبداع الفردي، بل بمنظومة كاملة تقوم على الرؤية، التخطيط، وإشراك المهنيين في صياغة السياسات الثقافية. فالسينما التي تصل إلى “كان” لا تولد بالصدفة، بل تُبنى عبر تراكمات طويلة واستراتيجيات دقيقة.
“فينوس الكهربائية” ليس مجرد فيلم افتتاح، بل رسالة واضحة مفادها أن السينما، رغم كل التحولات، ما زالت قادرة على أن تكون فناً للدهشة، ومساحة للتأمل، وأداة لطرح الأسئلة الكبرى التي تعكس تعقيد الإنسان في بحثه الدائم عن المعنى.