يُعد فيلم «زنقة مالقة» للمخرجة مريم التوزاني من أبرز الأعمال السينمائية المغربية لسنة 2025، لما يحمله من حس فني عالٍ ورؤية إخراجية ناضجة. فالفيلم يحتفي بفضاءات مدينة طنجة بطريقة مختلفة، يصعب على مخرج أو مخرجة لا تربطهما علاقة حميمة بالمدينة أن يلتقطا تفاصيلها، خصوصًا أزقة المدينة القديمة التي تبدو مختارة بعناية، وكأنها امتداد لذاكرة عاشت فيها المخرجة منذ الطفولة وما بعدها.
ولا تكمن قوة الفيلم في اشتغاله على المكان فقط، بل أيضًا في إعادة الاعتبار لشريحة عمرية قلّما تحظى بالاهتمام في السينما، ليس على المستوى المغربي فحسب، بل عالميًا كذلك. إذ يقدم العمل قصة سينمائية ممتعة تضع الأصبع على رغبات هذه الفئة وشغفها بالحياة وتمسكها بها حتى اللحظات الأخيرة، رغم كل ما قد يفرضه الواقع من قيود معاكسة.
مع «زنقة مالقة»، تبدو مريم التوزاني وقد بلغت مرحلة النضج السينمائي التي سعت إليها منذ فيلميها الأولين «آدم» و«أزرق القفطان». فالرؤية أكثر وضوحًا، واللغة البصرية أكثر تحكمًا، والإحساس الدرامي أكثر عمقًا، ما يجعل هذا الفيلم محطة متقدمة في مسارها الإبداعي.
أما الممثلة الإسبانية الثمانينية كارمن ماورا، فلا تظهر هنا في موقع من يسعى لإثبات قدراته، فهي صاحبة مسار حافل بأدوار مميزة في أفلام كبار المخرجين مثل بيدرو ألمودوفار وكارلوس ساورا وفرنسيس فورد كوبولا وكلود شابرول. وقد تقمصت الشخصية الرئيسية في «زنقة مالقة» بتمكن لافت، مقدمة أداءً متوازنًا يجمع بين الخبرة والصدق التعبيري.
وخلال مشاهدة هذا العمل الطويل الثالث للتوزاني، يبرز حرص المخرجة على الصرامة الفنية، إذ تبدو دقيقة في نقل أحاسيسها الخاصة قبل أن تنعكس هذه الصرامة على طاقم التمثيل، وهو ما أشار إليه فريق الفيلم نفسه أثناء تقديمه للجمهور.
ومن الصعب أيضًا ألا يستدعي الفيلم إلى الذاكرة «خوانيتا بنت طنجة» للمخرجة الطنجاوية المخضرمة فريدة بليزيد، المقتبس عن رواية للكاتب الإسباني الطنجاوي أنخيل فاسكيز. فالتقاطعات بين العملين واضحة للعين السينيفيلية، خاصة في تركيبة الشخصيتين الرئيسيتين؛ إذ نشعر وكأن «زنقة مالقة» يواصل تتبع شخصية بليزيد بعد سنوات من التيه في مدينة وُلدت فيها وعاشت تفاصيلها، لكنها ظلت تبحث داخلها عن موطن وملاذ.
ويشترك الفيلمان أيضًا في حرصهما على التعبير الفني الموارب، حيث يظهر الفضاء الطنجاوي محتضنًا لشخوصه وطاردًا لهم في الوقت نفسه. إنها معادلة مشبعة بالتناقضات لا يستطيع نقلها إلى الشاشة سوى من اكتوى بتجربة العيش في طنجة ويعرفها حق المعرفة.