عبد الرزاق كواري
من أكثر العوامل التي أرخت بظلالها بشكل مباشر على قيمة الإبداع الفكري في الأعمال السينمائية المغربية في السنوات القليلة الماضية، مشكلة قرصنة الأفكار، فكان المبدعون يعانون من إنزال مكثف يهدد مجهوداتهم الفكرية، فلا يكاد المؤلف أو المخرج أو حتى مقدم الأفكار أن ينتهي من الصياغة الأولية لفكرته حتى يجدها معروضة للجمهور، و نفس المشكل عانى منه عدد كبير من كتاب السيناريو الذين سئموا من تقديم أعمالهم لنيل فرصة الإنتاج، أملا في إيجاد مكان محترم بين كبار السينمائيين المغاربة، لكنهم كانوا يصطدمون بواقع مر لا يرحم، حيث أنهم يشاهدون أفكارهم معروضة على شاشات السينما و القنوات التلفزية، سواء كما تم تقديمها أو مع إحداث تعديلات طفيفة عليها،
و قد كان أغلب المؤلفين يجدون صعوبة كبيرة في حماية إبداعاتهم من القرصنة، خاصة في ظل غياب قوانين زجرية تحمي إبداعاتهم الفطرية، و حتى من قرر منهم الدفاع عن ملكيته الفكرية، قد لا ينال منها إلا دراهم معدودة في حالات نادرة.
هذا تحديدا مع جعل الكثيرة من المبدعين يتراجعون عن إغناء المشهد السينمائي والتلفزي بأفكارهم القوية التي كان من شأنها رفع قيمة الإنتاجات السينمائية إلى مستويات عالمية، وهذا طبعا ما فتح المجال للعموم للتطفل على هذا المجال الإبداعي الذي لا يقل قيمة عن باقي الإبداعات السينمائية والتلفزية المتخصصة.
و قد ساهم القانون 25.19 الصادر بموجب الظهير الشريف رقم 1.22.52 بتاريخ 11 غشت 2022 و الذي يهدف إلى إعادة تنظيم المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، من خلال تحويله إلى هيئة تدبير جماعي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وهو ما ساهم إلى حد ما في تعزيز حماية الملكية الفكرية، لكن صعوبة المساطر، و الحاجة إلى إيجاد فرصة إنتاج، حالتا دون تحقيق أثر عملي على أرض الميدان.
و في ظل وجود إرادة حقيقية لحماية المبدعين باعتبارهم اللبنة الأساسية للصناعات السينمائية و الدراما التلفزية، خاصة في ظل ندرة إبداعات حقيقية ترفع وتيرة التنافسية الدولية، بادر المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة إلى تأسيس منصة رقمية خاصة بالمؤلفات السينمائية سنة 2026 بعد أن باشر رقمنة المؤلفات التشكيلية منذ 2025 و مؤلفات لناشري الصحف مع بداية سنة 2026.
و قد ساهم القانون 18.23 الصادر بموجب الظهير الشريف رقم 1.14.67 في 20 دجنبر 2024 المتعلق بالصناعة السينمائية و بإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي، في تعزيز حماية الملكية الفكرية لمختلف الفاعلين في مراحل إنتاج الأعمال السينمائية و السمعية البصرية، حيث حسمت المادتين 73 و 74 من الباب السابع المعنون بـ “السجل الوطني للسينما” الحماية الإجبارية للملكية الفكرية لكل من كاتب السيناريو و المخرج، إضافة إلى باقي العقود الأخرى التي تضمن حق الملكية الفكرية لجميع مكونات العمل السينمائي و التي تفرض على الجميع التوفر على عقود تثبت التوافق الحاسم بينهم حول كل تفاصيل التعاقد، وهذا طبع يستحق الإشادة والتنويه باعتباره تطورا ملموسا في حماية الملكية الفكرية.
هذه القوانين و الضوابط من شأنها أن تعيد الثقة للمبدعين الصغار الذين أصبح بإمكانهم تسجيل مصنفاتهم و حمايتها بشكل رقمي دون الحاجة للتنقل إلى المكاتب البعيدة، و دون مصاريف مالية ضخمة، أو مساطر تعجيزية، كما أن هذا الإجراء الرقمي البسيط، يحمي هؤلاء المبدعين على المستوى الدولي بناء على “إتفاقية برن” التي انضم إليها المغرب في 16 يونيو 1917 باعتباره من بين أوائل الدول المنظمة إليها و التي تقضي بحماية المصنفات الأدبية والفنية، كما ثم تحديثها وتعديلها من خلال مصادقة المغرب أيضا على وثيقة باريس للملاءمة الدولية في 17 فبراير 1987، و التي دخلت حيز التنفيذ الفعلي في 17 ماي 1987، هذه الترسانة القانونية أصبحت اليوم رهن إشارة المبدعين، بصيغة رقمية مبسطة، كما أن القانون 18.23 يشرف بشكل صارم ومباشر على سد الباب أمام كل المتلاعبين و كل من شأنه إستغلال حاجة و هشاشة المبدعين.