في مقاله الأخير بعنوان «صنصال تكلم!»، يضع الصحفي والناقد بلال مرميد القارئ أمام لحظة فارقة في مسار الكاتب الجزائري بوعلام صنصال: لحظة الكلام بعد الصمت، ولحظة استعادة الصوت بعد أشهر من الاعتقال والإذلال.
مرميد، الذي يعرف صنصال منذ سنوات التواصل المهني والثقافي، تابع خرجتيه الإعلاميتين على فرانس 2 و فرانس أنتر، وقرأ في ملامح الكاتب المتعبة ثم المستعيدة لتوازنها، ما يستحق التوقف والتحليل.
من التلفزيون إلى الإذاعة… صنصال يستعيد نفسه
يُلاحظ مرميد أن صنصال ظهر في أول مقابلة تلفزيونية شاحباً، متلعثماً أحياناً، كمن لم يُشفَ بعد من آثار الاحتجاز. لكنه في الحوار الإذاعي بدا رجلاً آخر: أكثر راحة، أكثر سخرية، وأكثر قدرة على قول الأشياء دون خوف.
في الإذاعة، خرج صنصال من ضغط الكاميرا، واستعاد ذلك النفس البارد اللاذع الذي عرفه ملايين المستمعين حين كان صوتاً ثابتاً على أمواج ميدي1.
مرميد يرى أن الكاتب، بعد أن التقط أنفاسه، بدأ يفكّ قيود الحذر ليتحدث عن لحظة الاعتقال، عن نقله قسراً إلى مكان مجهول، عن حرمانه من الورق والقلم، وعن يوميات سجن لا يليق ـ كما قال ـ «حتى بكلب».
الصحراء المغربية… ثمن الرأي
يربط صنصال بشكل مباشر، وفي أكثر من مناسبة، سبب سجنه بخرجاته الإعلامية التي أيّد فيها مغربية الصحراء، وبالتحولات الدبلوماسية الأخيرة التي عززت هذا الاتجاه.
يكتب مرميد بأن صنصال يرى أن النظام الجزائري اليوم يعيش عزلة غير مسبوقة، وأن اعتراف فرنسا وقرار مجلس الأمن زادا من ضيقه الداخلي. لذلك، فإن التعبير عن موقف مخالف أصبح يُؤدي ــ كما حصل معه ــ إلى الاعتقال.
زوار الليل… ومحاولة تطويع الفكر
أحد أكثر مقاطع الحوار قوة، كما ينقل مرميد، هو حديث صنصال عن مسؤولين كبار زاروه في الليل لإقناعه بالصمت. قالوا له إنه ليس مؤرخاً، وإن عليه أن لا يكتب عن الصحراء.
ابتسم، حسب روايته، وطلب منهم أن يحضروا مؤرخيهم ليواجهوه… إن كانوا موجودين أصلاً.
هذه الجملة وحدها تكشف الروح الساخرة الحارقة التي يستعيدها صنصال كلما تحدث كأديب لا كضحية.
الخوفُ على من حوله… لا على نفسه
يكشف مرميد أن صنصال يريد العودة إلى الجزائر فقط ليسترجع أغراضه، لكنه يخشى أن يُعتقل من جديد، أو أسوأ من ذلك: أن تطال المتابعة رفيقته أو كل من تبادل معه كلمة أو رسالة.
هنا يخرج النص من السياسة إلى الإنسانية: رجل يعود من السجن ليحمي الآخرين لا نفسه، وليبقي باب الكلام مفتوحاً رغم الخوف.
يختتم بلال مرميد مقاله بجملة شديدة الحكمة:
“هناك من يضيق على الحرية، وفي أغلب الأحيان، يكلّف المُضيّقُ المحيط القريب للمُضيَّقِ عليه للتفنن في أساليب التضييق.”
جملة قد تبدو معقّدة، لكنها تختصر واقعاً عربياً ظلّ الكاتب ضحية له:
عندما يضيق النظام، يضيق المجتمع… ويصبح القرباء أدوات القمع.
وصنصال تكلم، كما يقول مرميد… لكنه يؤكد أنّ ما قاله ليس سوى البداية