هيئة التحرير
بعد الوفاة المفجعة للتقني السينمائي عز الدين أوريد أثناء التصوير، كان المنتظر، بل من البديهي، أن تتحرك الغرفة المهنية للتقنيين السينمائيين بكل ما تملكه من شرعية تمثيلية وثقل معنوي، دفاعًا عن كرامة التقنيين، ومطالبة بمساءلة واضحة وصريحة حول شروط السلامة، وطبيعة العقود، والتأمين، وحدود مسؤولية شركات الإنتاج.
غير أن ما جرى لاحقًا أثار استغرابًا عميقًا وغضبًا مشروعًا داخل الوسط المهني. فبدل أن ينحاز رئيس الغرفة، م.ق، إلى التقني باعتباره الحلقة الأضعف داخل منظومة إنتاج غير متكافئة، اختار خطابًا ملتبسًا، يوحي بتخفيف الضغط عن شركات الإنتاج، ويفتح نقاشات جانبية تُحمِّل التقنيين مسؤوليات لا يملكون أدواتها، ولا سلطة اتخاذ القرار بشأنها.
وهنا يفرض السؤال نفسه، دون مواربة ما جدوى وجود غرفة تمثيلية للتقنيين، إذا لم تكن في صفهم حين يفقد أحدهم حياته أثناء العمل؟
فالتقني لا يقرر ميزانية السلامة، ولا يفرض بنود العقد، ولا يختار ظروف التصوير، ولا يملك سلطة إيقاف العمل عند الخطر. كل ذلك، قانونيًا وعمليًا، بيد الإنتاج. وأي محاولة لنقل مركز المسؤولية نحو التقني، سواء بشكل مباشر أو عبر خطاب مُوارب، تشكل انزلاقًا خطيرًا في الفهم النقابي والأخلاقي لدور التمثيلية المهنية.
ويزداد هذا الانزلاق حدة حين نستحضر أن رئيس المنظمة المهنية المعنية ليس غريبًا عن واقع المهنة، بل هو نفسه تقني كهرباء، أي ابن الميدان، وخبير بتفاصيل مواقع التصوير، ومخاطرها، واختلالاتها. وهو ما يجعل أي خطاب يخفف من حجم المسؤولية الواقعة على الإنتاج، أو يساوي بين موقع القرار وموقع التنفيذ، موضع تساؤل مشروع، ليس فقط على مستوى الموقف، بل على مستوى الوعي المهني ذاته.
الأكثر من ذلك، أن الغرفة المهنية للتقنيين السينمائيين حظيت بشرف التمثيلية داخل مجلس إدارة المركز السينمائي المغربي، كواحدة من خمس منظمات مهنية فقط تم اختيارها لتمثيل التقنيين داخل أعلى هيئة تقريرية في القطاع. وهو موقع لا يمنح الامتياز فحسب، بل يفرض التزامًا أخلاقيًا ومهنيًا مضاعفًا، قوامه الدفاع الصريح وغير القابل للتأويل عن حقوق التقنيين، والترافع الصلب عن شروط عملهم وسلامتهم، دون مجاملة أو تهاون.
فعضوية مجلس الإدارة ليست مقعدا شرفيًا ولا موقع توازنات، بل أداة مسؤولية، وصوت من يفترض أنهم في الهامش، داخل مركز القرار. ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب يفهم منه تمييع المطالب الجوهرية للتقنيين، أو تخفيف الضغط عن المسؤول الحقيقي، لا يمكن اعتباره “وجهة نظر”، بل يساءل بصفته موقفًا صادرًا عن ممثل مُؤتمن على الدفاع عن فئة مهنية بأكملها.
قضية عز الدين أوريد ليست حادثًا معزولًا، ولا قضاءً وقدرًا بلا أسباب. إنها نتيجة مباشرة لواقع يعرفه الجميع داخل القطاع: هشاشة العقود، ضعف أو غياب التأمين، والتراخي المزمن في شروط السلامة. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، لا يطلب من ممثل التقنيين الحياد، بل الانحياز للحق، والانتصار للضحية، والدفاع عمّن لا يملك منبرًا ولا سلطة.
أما تمييع النقاش، أو نقل مركز الثقل من المسؤول الحقيقي إلى الضحية أو زملائه، فلا يخدم إلا من يملك القرار والميزانية، لا من يدفع الثمن بجسده وحياته.
رحم الله عزّ الدين أوريد.
والتاريخ المهني لا ينسى المواقف… ولا يغفر التخلي.