في نص مشحون بالحنين والانتظار، يقدم مصطفى العلواني قراءة وجدانية وعميقة لفيلم Valeur sentimentale، العمل الجديد للمخرج النرويجي Joachim Trier، والذي يُعرض بسينما الريف بمناسبة افتتاح أسابيع السينما الأوروبية.
منذ الأسطر الأولى، يضعنا العلواني أمام علاقة انتظار طويلة مع سينما ترير، انتظار نابع من إعجاب سابق بأعمال شكّلت علامات فارقة، من «أوسلو، 31 أغسطس» إلى «جولي في 12 فصلاً». انتظار لا يخفي انحيازًا صريحًا لسينما تشتغل على الهشاشة الإنسانية، وتكتب الألم بلغة داخلية هادئة ولكن جارحة.
في «قيمة عاطفية»، يعود ترير إلى العائلة بوصفها بنية متصدّعة، لا كمجرد إطار سردي، بل كفضاء نفسي مكسور. عائلة من شقيقتين نشأتا في ظل غياب الأب، هذا الغياب الذي لا يتخذ شكل الفراغ فقط، بل يتحوّل لاحقًا إلى حضورٍ طاغٍ حين يعود الأب… لا كأب، بل كمخرج سينمائي مرموق.
هنا يلتقط العلواني جوهر التناقض: أب يعرض على ابنته، الممثلة المسرحية، بطولة فيلم يصوّره داخل بيت العائلة، فيلم يزعم إعادة تمثيل حياتهم. لكن السؤال الجوهري يظل معلقًا: هل نحن أمام استعادة للواقع، أم إعادة صياغته وفق خيال فني أناني؟
يُبرز النص افتتاحية الفيلم التي شبّهها العلواني بمقدمة مسرحية متقنة، حيث يتحوّل المنزل إلى كيان ناطق، يُمنح شكلًا وصوتًا عبر تعليق صوتي يزاوج بين الماضي والحاضر، في لعبة زمنية تذكّر بتقنيات سينمائية تعتمد الذاكرة بوصفها مادة سرد.
ومن هذه البداية، تتشعب الثيمات:
الحِداد على الأب الغائب/الحاضر،
الندوب النفسية لطفولة غير مكتملة،
الشيخوخة ومرور الزمن،
والفن كملاذ أخير من الاكتئاب والرغبة في الاختفاء.
ويولي مصطفى العلواني أهمية خاصة لعلاقة الشخصية الرئيسية بالمسرح، حيث تتقاطع الميول الاكتئابية والانتحارية مع التمسك بالأدوار، وكأن التمثيل ليس مهنة، بل آلية بقاء. وفي موازاة ذلك، يلتقط بذكاء إدراج حبّ السينما داخل الفيلم نفسه، بما يحمله من إشارات معاصرة إلى علاقة المخرجين بالمنصات الرقمية، وبمصير قاعات العرض، دون خطابية أو ادّعاء.
النص لا يُغفل الجانب الساخر في العمل، مشيرًا إلى مشاهد خفيفة ومضحكة (كطقوس الهدايا)، تمنح الفيلم توازنًا دقيقًا بين الثقل النفسي والتنفس الإنساني.
أما على مستوى الكتابة، فيصفها العلواني بالنموذجية: حوارات طبيعية، غير متكلّفة، شخصيات مركّبة لا تسقط في النمطية. ويتوقف عند ثيمة مركزية: العلاقة المعقّدة بين الفن والحميمية، حيث يتجلّى التناقض بأقصى درجاته في شخصية الأب؛ مخرج محبوب ومرجعية فنية، لكنه في الوقت ذاته أب نرجسي، أناني، يُخلّف الدمار خلفه دون وعي أو اكتراث.
وفي التمثيل، يخصّ العلواني Renate Reinsve بإشادة خاصة، معتبرًا أداءها واحدًا من أكثر عناصر الفيلم تأثيرًا، أداءً يقوم على الصمت ونقل المشاعر عبر النظرات، في مزيج مؤلم من الحب والكراهية المستحيلة. كما لا يغفل الحضور القوي لـ Stellan Skarsgård، الذي ينجح في تجسيد أبٍ آسر ومزعج في آن، ضمن دور شديد التعقيد.
ويختم مصطفى العلواني قراءته بالإشادة بإخراج ترير: بسيط في ظاهره، مبهر في جوهره. لقطات محسوبة، تصوير سينمائي شاعري، وألوان الغروب والشروق البنفسجية التي تستدعي بقوة ذاكرة أفلامه السابقة، مؤكدة مرة أخرى أن هذه السينما لا تبحث عن الإبهار، بل عن الصدق.
«قيمة عاطفية»، كما يقدّمه مصطفى العلواني، ليس فيلمًا عن عائلة فقط، بل عن الفن حين يصبح ساحة مواجهة، وعن السينما حين تجرؤ على النظر في الجراح دون محاولة تضميدها.