عبد الإله الجوهري
خافيير بارديم ممثل اسباني قدير، لكن، وللأسف، وعيه السياسي بمستوى السنة الأولى اعدادي، لأنه يصر بين الفينة والأخرى على حشر الأنف في قضية أكبر من فهمه، وتصريف موقف فج يتساوى ونيته في الإساءة للمغرب، وهو يتعرض لقضية وحدته الترابية، من خلال أفلام كان من الأحسن أن تنأى عن الخوض في مسائل تتطلب فهما صحيحا، وقراءة واعية للتاريخ ووفاء لقيم السينما التي تنتصر للحب والخير والجمال، بدل زرع ألغام الحقد والكراهية.
مناسبة القول عرض فيلم “المحبوب” للمخرج رودريغو سوروغويين، فيلم ورغم حرفيته التقنية والفنية وعبقرية الأداء لكل ممثليه، إلا أنه يغرق حد العنق، وهو يتخذ خلفية سياسية كان من الممكن الاستغناء عنها والبقاء في جو صناعة فيلم، وما يرافقها من لحظات التوثر نتيجة مشاكل اللوجستيك، وفضاءات التصوير الصحراوية القاسية، والمواجهات لحظة التصوير بين المخرج ومجمل العاملين معه، خاصة المشخصين الذين يجدون أنفسهم أسرى نرجسيته المتجاوزة لحدود اللياقة واللباقة، بسبب عصبيته الزائدة، علاقته السامة بابنته العائشة على ثقل الماضي، وآلام الجروح النفسية باعتبارها ابنة كبرت في مدريد، دون أن تجد هذا الأب الفنان الى جانبها، كما لم تستطع أن تتخلص من ضغط الفراغ، وعدم قبولها المشاركة في فيلم من توقيع أبيها، على الرغم من مسارها المتعثر، مما يجعلها تحس أن اختيارها لأداء الدور لا يعود لموهبتها، بل لرغبة أبيها لكي يساعدها على الحضور والظهور وصنع مجد تمثيلي، باعتباره هو من سيوقع الفيلم كمخرج، بمعنى انه السيد المطلق الذي لا يناقشه أحد في اختياراته.
الفيلم في خطوطه العامة حكاية وموقف، وبين الحكاية والموقف ضاعت هيبة السينما بسبب انزلاق غضروفي أساء للعمود الفقري للشريط، وساهم في التشويش على حكاية الفيلم التي كانت ستبدو سلسلة، تتأسس على السينما ولاشيء غير السينما، لكن، والحقيقة تقال، لم يسيء هذا الاختيار الايديولوجي على البناء العام، ولا على قيمة الإخراج، ولا على عبقرية الأداء، وإنما أساء لقيم الإبداع والوفاء للفن والسينما، بتمرير قناعة سياسية لا محل لها من الإعراب، في عمل يشتغل بالأساس على قضية اجتماعية تروم معالجة تأثير تضخم الأنا على العلاقات الأسرية والإنسانية، بمعنى أن الفيلم في منطلقه لم يكن مصاغا ليكون فيلما سياسيا، بل فيلما دراميا يشتغل على العلاقات الإنسانية، ويسلط الضوء عذابات الحاضر بسبب تضخم الأنا والهروب من تحمل المسؤولية.
حكاية الفيلم سرد مباشر لعمليات تصوير فيلم في الصحراء، وعن الصحراء سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، وهي ترزح تحت الاحتلال الإسباني، وهشاشة العيش بين قبطان ومحيطه، وما ينتج من مفارقات، نتيجة ضغط التصوير، واحساس المخرج بنرجسيته المفرطة لأنه يعتبر نفسه “عبقريا” هو الذي فاز قبل خمسة عشر سنة بجائزة الأوسكار عن أحسن فيلم أجنبي، فيلم بعنوان “سيروكو” مما حوله الى رجل عنيد وجاحد، يهاجر الى الولايات المتحدة الأمريكية، ويترك وراءه زوجة وابنة، ويؤسس أسرة جديدة بعيدة عن أسرته الأولى، تاركا إياها تواجه مصيرها لوحدها، أم ممثلة فقدت بريق نجوميتها بتخلي الزوج عنها وابنة شبه يتيمة.
الموقف تأسس على رهان فاشل، رهان تمرير خطاب بائد عن احتلال غير موجود، وحرية مفترى عنها لشعب لم يوجد يوما ما إلا في خطابات بلدان كانت ضحية حرب باردة وأنظمة فاشلة، بلدان أغلبها اليوم تخلت عن خطابات البارحة، بل أن جلها صحح نظرته ل”قضية” مفترى عليها، قضية لم تكن يوما إلا فخا منصوبا بخبث في طريق وحدة المغرب، ورغبته في استعادة أراضيه، التي كان يحتلها الإسبان لسنوات طويلة.
المخرج سوروغويين، ومن أجل التعبير عن العوالم الخانقة، والتغيرات في العواطف والعلاقات اختار التلاعب بالبعد البصري للفيلم بين الأبيض والأسود والألوان، وتنويع نسب العرض بطريقة تبدو عبثية لا معنى لها، لكن الهدف من هذا التلاعب، يتوضح مع تقدم الأحداث وتصاعد التوتر، فالحقائق غير ثابتة والعلاقات ممزقة والذكريات مجروحة، مما يعكس حالة من حالات الرعب المبني على سخرية سوداء، يظهر ذلك بجلاء في مشهد تصوير العشاء، مشهد لا يتحقق لعبثية اللحظة، ودخول الممثلين في نوبة ضحك، موازاة مع غضب ايستيبان من طريقة أكل الممثل الذي يؤدي دور القبطان. غضب سيكون سببا في توقف عملية التصوير، ورحيل الفريق المسؤول عن التصوير، قبل استئنافه بعد يومين مع فريق جديد.
السينما في الفيلم ليست مساحة من مساحات المتعة وممارسة الابداع، بل مساحة من مساحات العذاب وتصفية الحسابات، فالفضاءات خانقة، والعلاقات سامة، والخوف يظلل مسار التصوير، والقداسة لشخص المخرج تجعل من التواجد قربه خطرا يهدد بالانفجار في كل لحظة، فالشهرة والحرفية تخفيان مشاعر ضاجة بالطغيان، وفيضان من التقلب والإدمان على استغلال الآخرين وتصفية الحساب حد مراقبة الهمسات والسكنات، وفرض صمت قاتل. كما أن الحوارات لم تأتي لتخفف من غلواء اللحظات، بل صيغت لعكس أجواء التردد والشك والطغيان، صياغة ظهرت قوتها بجلاء في المشهد الأول من مشاهد التقاء الإبنة غبرييلا بالأب المخرج استيبان لحظة اقتراح عليها دورا في الفيلم الذي سيصوره من خلال مشهد طويل لكنه آسر، عكس قوة وحرفية مخرج الفيلم ونباهته في التعامل مع الكاميرا من موقع المبدع الواعي تقنيا، وهو وعي، وكما اشرت أعلاه، غاب مع محاولات اقحام قضية لا علاقة لها بمضمون الفيلم، مما منح فرضية، أنه كان واقعا تحت تأثير قوة خافيير بارديم الذي اتخذ منذ سنوات عملية معاكسة المغرب في وحدته الترابية هدفا “ساميا” له في الحياة، متناسيا، عن “وعي” أو “جهل”، قضايا أقرب إلى أنفه من الصحراء المغربية، أعني بها قضية مطالبة الشعب الكاطالوني باستقلاله عن اسبانيا، وقبله مطالبة شعب اقليم الباسك بنفس الطلب، وغيرهما من شعوب كثيرة يعرفها، ويعرف مطالبها في الانفصال.
خلاصة: الفيلم ترجمة حقيقية لما يجب أن يتحقق فنيا، من حيث كونه عملا ينتصر للسينما المصنوعة بكثير من الحرفية، لكن، في اعتقادي المتواضع، سقط (الفيلم) في فخ موقف سياسي لا مبرر له إلا من حيث المعاكسة، فاقدا بذلك الكثير من التوهج الإبداعي وهو يقحم بشكل فج قضية مغربية عادلة، بهدف التشويش عليها، ومحاولة تسجيل موقف هش متهافت، موقف لا يخدم العمل إلا من حيث أن إرادة خافيير بارديم ونزوته السياسية تحققت على حساب قدسية الإبداع، مسيئا بذلك لنفسه أولا، وللشريط ثانيا، خادشا معاني الالتزام بقول الحق، والترفع عن المزايدات.