الحسين حنين
اختتمت مساء السبت فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، بعد دورة اتسمت بكثافة فنية واضحة وحضور قوي للأفلام ذات الطابع الإنساني والسياسي، في وقت بدا فيه المهرجان أكثر انشغالاً بأسئلة العالم المعاصر من أي وقت مضى.
وفي حفل الختام الذي احتضنه قصر المهرجانات بمدينة كان الفرنسية، خطف الفيلم الروماني “FJORD” الأضواء بعد تتويجه بـ«السعفة الذهبية»، ليمنح مخرجه Cristian Mungiu إنجازاً جديداً داخل واحد من أكثر المهرجانات تأثيراً في تاريخ السينما العالمية.
وجاء التتويج بعد منافسة قوية بين مجموعة من الأسماء السينمائية البارزة، حيث اعتبر عدد من النقاد أن الفيلم الروماني قدّم معالجة بصرية وإنسانية عميقة لقضايا العزلة والهوية والتحولات الاجتماعية، بأسلوب هادئ لكنه مشحون بالتوتر النفسي والتأمل.
أما «الجائزة الكبرى»، ثاني أهم جوائز المسابقة الرسمية، فعادت إلى المخرج الروسي Andrey Zvyagintsev عن فيلمه “MINOTAURE”، في عودة لافتة لمخرج ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بسينما النقد الاجتماعي والاشتغال على انهيارات الإنسان المعاصر داخل الأنظمة المغلقة.
ولم تخرج لجنة التحكيم عن تقليد المفاجآت الذي يرافق ختام مهرجان كان، بعدما قررت منح جائزة أفضل إخراج مناصفة بين المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي عن فيلم “FATHERLAND”، والثنائي الإسباني خافيير كالفو وخافيير أمبروسي عن فيلم “LA BOLA NEGRA”، في خطوة عكست تنوع الرؤى والأساليب السينمائية التي طبعت الدورة الحالية.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي، اختارت اللجنة تقاسم الجوائز بين أكثر من اسم، حيث توجت الفرنسية فيرجيني إيفيرا واليابانية تاو أوكاموتو بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم “SOUDAIN”، بينما ذهبت جائزة أفضل ممثل لكل من إيمانويل ماكيا وفالنتين كامبان عن فيلم “COWARD”، الذي أثار اهتماماً واسعاً منذ عرضه الأول داخل المسابقة الرسمية.
الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان كان لم تكن مجرد احتفاء بالأفلام فقط، بل بدت وكأنها مرآة مفتوحة على القلق العالمي، إذ حضرت مواضيع الحرب والهجرة والهوية والانقسام الإنساني بقوة داخل معظم الأعمال المشاركة، وهو ما منح العروض طابعاً سياسياً وفلسفياً واضحاً.
كما شهد حفل الاختتام لحظة مؤثرة بتكريم الفنانة الأمريكية Barbra Streisand بمنحها «السعفة الذهبية الفخرية»، تقديراً لمسارها الطويل في الموسيقى والسينما، في التفاتة أعادت إلى الواجهة أسماء صنعت جزءاً كبيراً من الذاكرة الفنية الأمريكية والعالمية.
وبانتهاء دورة 2026، يكون مهرجان كان قد أكد مرة أخرى قدرته على الجمع بين البريق الفني والنقاش الفكري، محافظاً على صورته كمنصة عالمية تدافع عن سينما المؤلف، وتمنح للأفلام مساحة للتأمل في العالم، لا مجرد الترفيه فقط.