عبد الإله الجوهري
ثلاثة أيام من الفرجة السينمائية خاصة بأفلام المسابقة الرسمية، رافقتها خيبة الأمل، باستثناء فيلم “حكايات موازية” للمخرج الإيراني أصغر فرهادي الذي جعلني أعيش لحظات سينمائية إيرانية مفرنسة لكنها لذيذةتتمحور حول حكايات اجتماعية يتقاطع فيها الكوميدي بالدرامي، من خلال سيناريو مكتوب بحرفية عالية، ووعي إخراجي خلاق، الشيء الذي يجعلني أرشحه مسبقا للفوز بجائزة من جوائز الدورة، قد تكون، في اعتقادي، جائزة السيناريو أو جائزة الإخراج.
أما مشاهداتي الأخرى، جميعها كانت كافية لكي تجعلني أقرر تغيير البوصلة باتجاه فقرة أخرى، أعتقد أنها من أهم فقرات المهرجان، وأكثرها غنى فنيا وشعوريا، أعني بها فقرة كلاسيكيات السينما التي تعرضمجموعة أشرطة في نسخ مرممة، تجعل المشاهد يستعيد أجمل الذكريات السينمائية مع أعلام وأفلام خالدة، بعضها وشم ذاكرتنا السينيفيلية المثقلة بالذكريات الجميلة. في هذا السياق اخترت الذهاب لقاعة لويس بونويل، إسمالمخرج الإسباني الذي تحمله يكفي وحده لجعلك تتجه رأسا نحوها، واختيار الانغماس في ظلمتها الفاتنة، وذلك لمشاهدة أعمال راسخة في التاريخ السينمائي العالمي.
خمسة أفلام قصيرة عرضت بعنوان واحد موحد، ” بروجيكت بيليشيان”، من توقيع المخرج الأرميني أرتفزاد بيليشيان، مخرج لم أكن أعرفه منجزه السينمائي من قبل، إضافة لفيلم روائي طويل بعنوان “سانشيرو سونغاطا”” إنتاج سنة 1946 لعبقري الشاشة اليابانية أكيرا كوروساوا، فرجة باتساع الحلم منحتني سعادة الاكتشاف بالنسبة للأفلام القصيرة، وإعادة الاكتشاف بالنسبة للفيلم الياباني الذي شاهدته قبل سنوات عديدة دون أن يغيب عن وجداني باعتباره واحدا من أهم أفلام الساموراي الياباني أكيرا كوروساوا.
1- أرمينيا بلد يبدو لنا في المغرب مغمورا، لا نعرف عنه الشيء الكثير كما لا تربطنا به علاقات ثقافية أو فنية حقيقية، كما أن سينماه لا نعرف عنها تقريبا أي شيء، باستثناء معلومة أنها أرض أنجبت إيليا كازان، باعتباره أحد أعظم المخرجين العالميين، صاحب فيلم “أمريكا أمريكا” و”ترامواي اسمه الرغبة”، والمخرج الظاهرة سيرغي بارادجانوف الذي بصم على سينما ثورية بصريا ومتمردة سياسا، ثورة وتمرد قاداه لقضاء سنوات من السجن في معتقلات الغولاغ السوفياتي الرهيب بتهم أخلاقية واهية.
عدا هاذين المخرجين، لا يواجهنا إلا سواد المعرفة، ورمادية الألفة، لكن مشاهدتي للأشرطة القصيرة الخمسة الموقعة من طرف أرتفزاد بيليشيانجعلتني اقف على حقيقة أننا (النقاد والصحفيين) أغبياء في التعامل مع أسماء عديدة، والاحتفاء بأسماء دون أسماء، والانجرار مع الإعلام الغربي،وموضة الكتابة عن مخرجين بعينهم دون غيرهم، أسماء إخراجية تملك مفاتيح الإعلام ورضا المتحكمين في السياسات السينمائية العامة الغربية.
خمسة أفلام قصيرة أنتجت سنة 1966، وما تلاها من سنوات القبضة الحديدية التي ضغطت على بلدان الاتحاد السوفياتي، كلها جاءت مصنوعة برؤية ملحمية منتصرة للبصر والشجر والبشر، من خلال حكايات تمحورت حول صراع الإنسان مع الإنسان، ومحاولات ترويضه للطبيعة، وأيضا عن مجد الثورة البولشفية وانجازات زعمائها وروادها الكبار، دون السقوط في البروباغندا أو الخطابة والشعارات المباشرة التي وسمت السينما السوفياتية لما قبل البريسترويكا.
في كلمته المقتضبة البليغة أمام جمهور سينمائي عاشق، قدم بيليشيانبعضا من فلسفته في إنجاز الأفلام، مؤكدا على دور المونتاج باعتباره الركيزة الأساس، لكن طريقته الخاصة ابتعدت عن ما كان جاهزا من نظريات مع ايزنشتاين وسادة الربط بين المشاهد واللقطات، حيث أكد أنه تبنى مفهوما خاصا سماه “مونتاج المسافة”، مقدما تعريفا لسينماه بقوله أنه اشتغل على الحدود الفاصلة بين الوثائقي والروائي، متوسلا برؤية بصرية واقعية شاعرية، تمنح عمقا لليومي المعيش، وتخرجه من الواقع الفج نحو واقع أكثر أصالة وعمقا.
2 – السينما اليابانية عرفناها زمن الأندية السينمائية مع المخرج أكيرا كوروساوا وروائعه “كاجيموشا” و”ران” “ديرسو أوزالا”، وقبل ذلك مع الساموراي السبعة” الذي ألهب الخيال وجعل السينمات العالمية تحاول إنتاج أفلام تستثمر هذا الفيلم الخالد من حيث مبناه ومعناه في الانتصار للجميل بصريا.
فيلم “سانشيرو سونغاطا” المنتج سنة 1946، وكما قدمه مدير مهرجان كان، السيد تيري فريمون، بقوله: أنه ليس فيلما كلاسيكيا يحيلنا على سنوات المجد السينمائي الياباني فقط، بل أيضا أول فيلم وظف الحركة، وجعل من رياضة الجيدو فنا قائم الذات”.
لقد تماهى الجمهور السينيفيلي، الذي تابع العرض، مع عوالم سينما مخرج حقق المستحيل، من خلال تراكم تجاربه، ونجاح جل أفلامه، حد أنه ساهم في فتح عيون الغرب على سينما الشرق الأقصى، وجعل من كل ما أنتج مراجع سينمائية تستلهم روح ثقافة اليابان المختلفة، سواء من حيث الأشكال أو المضامين. فلا عجب أن وجدنا مخرجا عظيما كمارتن سكورسيزي يتعاون معه في أعمال عدة ويشاركه لذة إنتاج فيلم “أحلام” الذي كان خاتمة ما حقق.
عموما: فقرة كلاسيكيات شهادة حقة على أن مهرجان كان ليس فقط عروضا وندوات وبيع وشراء في سوق الفيلم، بل فرجة سينمائية راقية، ووفاء لقيم بصرية، وجب الذود عليها وحمايتها من هجمة الأفلام المصنوعة بكثير من العجل. وبالتالي تمنح لعشاق الصورة الحقة إمكانيات الوجود والتواجد للاحتفال بسينما الخلود ونفض الغبار عن الأسماء الفنية الكبيرة التي يكاد يمحوها الزمن أمام هجمة قبح الوقت، والبحث عن الفرجة السهلة السطحية الي تحتفي بالخواء على حساب الفرجة الراقية الواعية..
شكرا مهرجان كان السينمائي على منحنا بعضا من بهاء السينما، وقدسية نور المعرفة الخلاقة، والهروب من عروض الفجاجة واللجاجة، والبحث عن طريقة لقضاء الوقت كيفما اتفق. وشكرا على عمليات إعادة الإعتبار لعشرات الأسماء من خلال ترميم وإحياء أفلام كانت رميم وأضحت اليوم تضج بالحياة والجمال.