عبد الرزاق كواري
عرف المغرب في السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في عدد وجودة وقيمة الفعاليات الدولية والوطنية التي تنظم بالتراب المغربي، فنحن اليوم أمام مؤشرات مشرفة تدعو للفخر والاعتزاز، فالمغرب اليوم ينظم سنويا ما يفوق 1200 فعالية في المجال العلمي والتجاري، وما يقارب 60 حدثا حكوميا ودبلوماسيا رفيع المستوى، بينما وصل المغرب إلى 55 مؤتمرا دوليا مصنفا بمعايير “الجمعية الدولية للاجتماعات والمؤتمرات” كما تم تصنيف المغرب وفق إحصائيات دولية كوجهة عالمية كبرى للمؤتمرات الدولية لعام 2026 في شتى المجالات، وصنفت جهة مراكش آسفي كوجهة عالمية لتنظيم القمم والمؤتمرات الدولية، وفق “المنصة العالمية لجدولة التظاهرات الأكاديمية والمهنية”، فقد نظمت بهذه الجهة وخاصة مدينة مراكش تظاهرات عمالقة مثل: مؤتمر الأطراف لتغير المناخ COP22، الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الجمعية العامة لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية – الأنتربول، وفعاليات متعددة.
هذا النجاح لم يأت من محض الصدفة، بل هو ثمرة عمل استراتيجي كبير وفق رؤية ملكية سديدة، كما جاء في خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش: “المغرب دولة عريقة، تستمد تقاليدها الراسخة كدولة أمة تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل…… يعطي النجاعة اللازمة لعمل الدولة، لمواصلة الإنجازات، ورفع التحديات، رغم الصعوبات والإكراهات….. أكثر ما يبعث على الفخر والاعتزاز، هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما يتميز به عمل مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية….. وهو ما أبان عنه المغرب، بالتنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية، مما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانا.”
ومن المرتقب أن ترتفع أعداد هذه الفعاليات العالمية التي من شأنها المساهمة في إشعاع المغرب والسمو به إلى مصاف الدولة المتقدمة.
إلا أن هذا النجاح الكبير الذي حققه المغرب كمؤسسات رسمية في هذا الشأن، يعاني في المقابل من غياب إحصائيات رسمية حول هذه الفعاليات، مع غياب الإشعاع والإشادة التي تتناسب مع قيمة الإنجازات، وهذا راجع بالأساس، إلى إهمال أحد العناصر الأساسية والمؤثرة بشكل مباشر في الإشعاع والتسويق العالمي لصورة الوطن.
من خلال مقارنة بسيطة بين تنظيم الفعاليات الكبرى، خاصة التي تستقطب شخصيات عمالقة ويكون موضوعها مؤثرا على المستوى العالمي، في الدول الأوروبية وفي المملكة المغربية، فنجد أن الميزانية الأكبر في التنظيم ترصد للتغطية السمعية البصرية وما سيتم عرضه على الشاشات التفاعلية العمالقة، مع الحرص على تقديم إضاءة ومؤثرات صوتية ترفع قيمة الحدث، بينما في المغرب، فأغلب المؤسسات المشرف على تنظيم هذه التظاهرات، تخصص الميزانية الأصغر على الإطلاق للتغطية السمعية البصرية بما فيها محتوى العروض على الشاشات العمالقة في عين المكان.
هذا يمكننا رؤيته بجولة بسيطة بالقنوات الرقمية الخاصة بهذه الفعاليات، خاصة منها ما يعرض بشكل مباشر.
الهدف الأساسي من نقل هذه التظاهرات بشكل مباشر، هو مشاركتها مع أكبر عدد ممكن من الجمهور، لتحقيق الغاية الكبرى من تنظيمها، وهذا يحتاج إلى حملات إشهارية وتسويقية قبلية، يمنح الجماهير مهلة لبرمجة هذا الموعد وجعله أولوية، كما أن الاستفادة من مرحلة ما قبل الحدث تستلزم إبداعا قويا في هذا الشأن، فمن الممكن مشاركة بعض الكبسولات السياحية لإقامة الوفود ووصولها وتعزيزها ببعض التصريحات، خاصة للشخصيات العالمية المؤثرة، وجعلها رهن إشارة القنوات التلفزية العالمية، ومتاحة بلغات متعددة، ما سيساهم في التعريف بالمغرب سياحيا واقتصاديا على قنوات الدول التي يصعب التواصل معها بشكل مستمر بسبب عائق اللغة، كما نحرص على توفير أكبر عدد من الترجمات التي ستساهم في جذب أكبر عدد من المتفرجين في البث المباشر، الذي يجب أن تتوفر فيه أيضا معايير احترافية حتى يسوق صورة إيجابية عن المغرب، ويساهم في جذب مزيد من الفعاليات، ولا بأس في تخصيص شريط خاص لاستعراض التقنيات المتطورة التي تم استعمالها في هذا الشأن عند نهاية كل تظاهرة.
هذا من شأنه فتح فرص عمل متعددة لعدد من الفاعلين في المجال، كما سيفتح الباب لشركات الأجهزة والمعدات السمعية البصرية في الرفع من قيمتها وخلق منافسة شريفة مبنية على الجودة والكفاءة الفنية والتقنية، بدل ما نراه اليوم من ممارسات محرجة، وصلت إلى بث وتصوير هذه التفاعلات بكاميرا واحدة أو اثنتين، بشكل مباشر وبجودة مخجلة تضرب بعرض الحائط القيمة الكبيرة لهذه الفعالية.
فرغم ما ينفق من أموال ضخمة على هذه التظاهرات وما يخصص لها من دعامات لوجيستية وموارد قد تتجاوز في عدد كبير سقف المليون دولار، إلا أن التاريخ لن يتذكر هذه القيم إذا تم توثيقها بشكل ضعيف ورديء، فما تمت أرشفته هو وجه الفعالية الحقيقي، وهو فرصتها للتسويق لفعاليات أخرى، كما من شأنه المساهمة بشكل كبير في جلب مستشهرين من طينة الكبار، خاصة الذين يشترطون الجودة ويفرضون معايير مهنية كبرى.
القضية إذن إنصاف للمجهودات التي تبذلها مؤسسات الدولة في جعل المغرب قطبا دوليا، وتعزيز علامته الوطنية بين الدول، فمن العار أن تهدم كل هذه الجهود والتضحيات في لحظة جشع صغيرة، تعصف بفعالية برمتها، وتضرب قيمة الحدث وسمعة الدولة، وقيمة الكفاءات الوطنية بعرض الحائط، من أجل توفير ملايين معدودة لشخص واحد