هشام الودغيري: خبير إعلامي، فني وسينمائي
في زحمة الحياة التي تُحيط بنا كل يوم، كثيراً ما تُتَناسى أهمية الشاشة (تلفون، تلفزة وسينما) تَوْعويا، تلك الشاشة القرينة بعوالمنا الشخصية وحتى الحميمية، تحمل لنا قوة تدفق معلوماتي عظيمة. إنها ليست مجرد شاشة عابرة، بل نداء خفي يحفِّز على الفضول المعرفي، ويمنح للمعيش اليومي مدلولاً أكثر إنسانية وحتى خيالا وسط التحديات اليومية. هذا من وجهة نظر انتقائية، وسط زخم تدفق العُنف المعلوماتي/الإعلامي الذي تُسيطِر عليه التفاهة و”السوليما” التضبيعية/التبضيعية.
في زمن غدت فيه العولمة والأحكام المُسبقة عن الآخر (العالم الثالث، المُتخلِّف، الرَّجعي..)، والتعصُّب الفكري تُجاهَه، وتآلُف اللوبيات المصلحية ضده، صفات سائدة في جبهة صراع الحضارات، يبدو “التَّمَوْقع الداخلي/المُواطِناتي” كعمل مُقاوَمة حضاري/هُوياتي هو الأنسب. إنه المِفتاح الذي نحتاجه اليوم لمواجهة هذا التيار السَّلبي/السَّالب والرافض لهُويتنا.
“التَّمَوْقُع الدَّاخلي/المُواطِناتي” ليس كما يُعتقد أحياناً على أنه “شوفينية”، ولا هو تراجع عن الانفتاح على الأخر الإيجابي، بل على النقيض من ذلك تماماً، إنها سياسة استراتيجية تتطلب مُثابرة وتظافر مجهودات جماعية ولا محدودة لاختيار دَرْبٍ مُغاير، درب يُمكِّننا من العيش بصِدقنا تُجاهَنا داخليا، وتجاه كينونتنا بهُويتنا المُنفرِدة بين جوقة الـأمم “تمغرابيت” أي الاستثناء الثقافي”، دون التنازل عن أصالتنا كصُناَّع حضارة.
اختيار “التَّمَوْقُع الدَّاخلي/المُواطِناتي” هو في الواقع اختيار للاتزان الهُوياتي الجُوَّاني، هو القُدرة على التعامل مع شركاءنا المواطنين (صُناع، مُبتكرين، فنانين، سِياسيين، جمهور..) بحكمة وتقبُّل النقد والرأي الآخر، تقبُّل زَلَّاتِنا قبل أن نتوقع أن يعاملنا الغير/الأجنبي بالمِثل أو بالتهميش. عندما نعتنق هذا المبدأ، يتحول شعار “التَّمَوْقُع الدَّاخلي/المُواطِناتي” إلى مسيرة تبدأ من الداخل، وتمتد إلى كل مَا ومَن نُصادف ونشارك هَمَّ سينيمانا، عاكِسًا عُمق تقديرنا جماعةً لمواطَنَتِنا المُشترَكة.
هذه المقالة الأولى لي بموقع “كلا پ” مُستوحاة من هذه الفكرة الأساسية، ستتطور عبر عدة أشكال، ك”بودكاست” أسبوعي عن الإنتاجات السينمائية المغربية في شكل حوارات وروبورتاجات مُبتكَرة، أيضا من خلال استعراض تجارب ميدانية مع صُناع سينيمانا الوطنية من مُنتِجات ومنتجين، كاتِبات وكُتاب، مُخرجات ومخرجين، نَجمات ونجوم، تِقنيات وتقنيون وغيرهن م من المُبدِعات والمبدِعين بمختلف المشارب، نُبرز خلالها قوة التأثير الهادئ/الناعِم للطاقات السينمائية الواعِدة بعيْن المُتتبِّع والناقِد البنَّاء. تلك الطاقة التي لا تعتمد على الادعاء الكاذب ولا “البوز” المُضَلِّل، بل على المُبادَرات/المشاريع الواعِدة التي تسْكُن وِجدان الفنان الوطني الأصيل وتبغي الرُّقي بذائقة الجمهور المغربي. فُسحة سينمائية خالصة، عيْنٌ ميدانية من الدَّاخل، بلمسة فنية تُحَرِّر مُخيلتنا وتعيد ترتيب أولويات سينمانا الوطنية كمُتخيَّل جَمعي.
سوف تأخذكم هذه المقالات وحلقات “البودكاست” الأسبوعية في رحلة مِلؤها حُب السينما والجمال والأمل.
إنها دعوة لتهدئة السُّرعة/اللهث في بلوغ العالمية دون التَّمكُن من أدواتها، والتدقيق في كل خطوة/محطَّة تَنْهجُها السياسة العمومية بُغية إرساء بِنية “صناعة سينمائية” قوية (خصوصا عندما لا يُفَعِّل مبدأ التشاركية الدستورية في تسطير المشاريع العمومية)، وحث جميع الفُرقاء على أن يكونوا مُتضامنين بميثاق أخلاقيات مِهني، ليس فقط صِناعيا بل وأيضاً فِكريا.
اليوم أصبح “التَّمَوْقُع الدَّاخلي/المُواطِناتي” ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورةً مَرحلية ماسَّة تُوجِب علينا اعتبارها “أوْلَوِية” مُؤكَّدة، فهي الكفيلة بعكس كل المجهودات الميدانية (صُناع، مُمولين، إدارة، مُشرِّع، نُقَّاد، مُوزعين..) لخلق سوق داخلي حقيقي.
لنجعل إذًا من شعار “التَّمَوْقُعُ الدَّاخِلِي/المُوَاطِنَاتِي” مُمارسة يومية، ومنهجًا تدبيرا استباقيا مُؤسَّساتِيا. لِنَتَكَاتَف معاً لإنماء فكرة هذا الهدف النفيس الذي بوسعه تغيير وجه سينيمانا نحو الأفضل، خطوة بخطوة، وبقلوب يملؤها عشق السينما والفنون الجميلة.