هشام الودغيري
“نبذ” رأي الناقد غير المُصطف في طابور التطبيل والمديح النِّفاقي هو ظاهرة غالبة بالسينما المغربية. هذه الظاهرة ليست مجرد ردة فعل نرجسية أو موقف نقدي مؤسَّس فكريًا، بل نتيجة منطقية لهيمنة كبرى للتفاهة في إنتاج وتلقي السينما من طرف غالبية اختارت حجب الشمس بنظارات قزحية.
في بيئة سينيمانا المغربية أصبح واضحًا أن الناقد السينمائي (المحايد) لم يعد يمتلك السلطة التي منحته إياها الصحافة والمجلات المتخصصة، هناك وراء البحر. فهنا ما زلنا نتعامل مع النقد السينمائي كما لو أننا في سبعينيات القرن الماضي، وكأن الناقد ليس شريكًا في صناعة المعنى السينمائي كما هناك، وكأن صناع الأفلام لم يتحرروا بعد من سلطة الصوت الواحد الذي يكتب ويُنتج ويُخرج ويُقرر قيمة فيلمه واتجاه تفسيره وترويجه لمصلحة نواياه الفكرية و/أو النفعية، الظاهر منها والمُضمر.
دحض رأي الناقد السينمائي أصبح ديدن الكثير، وفيهم مؤسسات الدولة. هذا الدحض يقوم على وجهة نظر واهية تُشيع بأن الناقد السينمائي لا يمتلك سلطة مرجعية تخوِّله تحديد ما يُعتبر فيلمًا رائعًا وما يُعدّ رديئًا، كما تُروّج خطابًا رجعيًا يضع الناقد في موقع “قيّم” على الذائقة السينمائية، مستندين في ادعائهم على معايير قديمة وأحكام نهائية وأقلام أشباه النقاد، متجاهلين أن ذوق الناقد السينمائي هو أولًا شخصي، ومرجعيته المعرفية ليست أكثر من رؤية ذاتية، لكنها مؤسَّسة على معرفة أكاديمية وخبرة ميدانية ولسنوات تتبع ومشاهدات.
الناقد السينمائي هو مشاهد بصوت أعلى. هذا الصوت العالي جاء من سلطة النشر الأكاديمي و/أو الصحفي (وفيها وسائط التواصل الحديثة)، كما هو ما يميّزه ثقافيًا عن أي مشاهد عادي، من حيث تمكّنه من أدوات نقدية ومعلومات لا يمكن لغيره الوصول إليها، فضلًا عن ذائقة فنية أساسها تربية سينيفيلية عتيدة.
حقًا، الناقد السينمائي مهما بلغت معرفته، يظل يعبّر عن وجهة نظر مشروطة بمرجعياته الثقافية وميولاته الفنية وموقفه الإيديولوجي/السياسي، فآراؤه ليست حقائق علمية، بل قراءات خاصة (قوة اقتراحية).
تحولات جرت وتجري على سينيمانا المغربية، من بينها تقدم في الكم المُنتج مقابل تقهقر في الكيف (رأيي كناقد)، مما يستدعي بإلحاح حضور الناقد السينمائي (الجاد والمحايد) كشريك أساسي في صناعة السينما الوطنية (تامغرابيت)، لشق نهج نقد ذاتي داخل مهن “الصناعة السينمائية”. فلم يعد المخرج/المنتج/الإدارة هم أصحاب المدلول/الخطاب الأوحد لمنتجاتهم ومخرجاتها، بل أصبح لزامًا توزيع الرؤية النقدية بين الجماعية مهنيًا (ضوابط الصنعة) وتفسيرات الجمهور، وبينهما الدور البنّاء للناقد السينمائي.
حين أعلن رولان بارت عن موت المؤلف في النص الأدبي، فتح الباب أمام تعددية التفسيرات النقدية. الأمر نفسه ينطبق على السينما: حين يتراجع دور المخرج كمبدع مركزي، يتراجع دور الناقد (المنافق) الذي كان يفسر أعمال المخرجين من هذا الموقع المهيمن. النتيجة أن ذاك الناقد (المجامل) لم يعد حامل حقيقة نقدية ما (انهيار الذائقة البصرية)، بل مجرد واحد من الجمهور الواسع ينتج شبه معانٍ متعددة حسب الطلب.
في غمار ذلك، يبادر الكثير من أشباه النقاد إلى الدفاع عن حصونهم، يكتبون ويحللون ليصفوا ما يجري من تفاهات بأنها تحرر/انفتاح في وعلى العملية الإبداعية من وصاية النخبة السينيفيلية (الكلاسيكية). والتاريخ القريب (مغربيًا) مملوء بنقاد طبّلوا لتفاهات عُدّت سينمائية وقت صدورها، ونفخوا في أعمال عادية إلى دون المتوسط بحماسة، ثم أُعيد تقييم كل ذلك لاحقًا على أنها كوارث تُوّجت بعزوف جماهيري جلي، من بينها من نال جوائز دولية (أشك في مصداقيتها).
في زمن العولمة هذا، ربما وجبت إعادة النظر في صفة “الناقد السينمائي”. فلم يعد الناقد ذلك المتتبع للمنتجات الفيلمية عبر تقييمها فقط بناءً على جماليات الصورة أو تقنيات السرد أو مسار حكي السيناريو، بل أصبح يقرأ سياقات إنتاجها (الجهات الداعمة مثلًا)، كلفتها المالية، علاقتها بالتحولات الاجتماعية والسياسية لبلد المنشأ، وأثرها في الثقافة الشعبية، أو في سياقها الكوني كعملية إبداع إنساني. إنه يرى السينما كجزء من منظومة ثقافية أوسع، ويتعامل معها بعيدًا عن سلطة المعايير المغلقة، ليعيد إطلاق حيويتها كجزء من حركة الإبداع العالمية.
المطلب الملح، الآن وهنا، هو تمتيع الناقد السينمائي بحق التشاركية (منطقيًا ودستوريًا) في فعل “الصناعة السينمائية” المغربية، كقوة رأي وخبرة، إذ هو في صميم الصناعة (هناك) والشريك المنظّر في إعادة هيكلة سينيمانا تحت شعار “عبقرية تامغرابيت”.