هشام الودغيري
على وقع إغلاق مركب سينيأطلس CINEATLAS بالعاصمة الرباط، يطفو للسطح السؤال عن مهنة التوزيع السينمائي، بما يشمل ذلك المورِّدون للأفلام الأجنبية، والموزعون للأفلام المغربية، والمستغلون للقاعات السينمائية. مهن مختلفة لسلعة واحدة، تسعى لتلبية طلب سوق داخلي هش البنية، في غياب توزيع وتواجد قاعات العرض السينمائي في مجموع جهات المملكة (مثلا، لا وجود لقاعة سينمائية ب”جهة كلميم واد نون”، مع تمركُز القاعات السينمائية في محور الدار البيضاء – الرباط – مراكش – طنجة، الأمر الذي يخلق “مغرباً بسرعتين” ثقافياً)، وأمام ضعف القدرة الشرائية للمواطن، بغظ النظر عن الأنشطة الثقافية بالأندية سينمائية والمهرجانات (الشُّعلة “السينيفيلية”)، التي تسُد لِمامًا فراغ العرض الفرجوي المهني، نقف على واقع حال يقتل ثقافة ارتياد القاعات السينمائية في صفوف الشباب ولدى أجيال كاملة.
“الزيادة الهائلة” في عرض المنتوج الأجنبي خاصة Blockbusters (حوالي 9500 فيلم تم إنتاجه سنة 2023 دوليا) عبر القاعات والمنصات الرقمية المختصة (شرعيا أو مقرصنة)، مقابل ضُعف مستوى عرض الأفلام المغربية، كمًا وكيفًا، إلا في حالات استثنائية كوميدية جماهيرية (27 فيلما كان جاهزا للعرض سنة 2024)، يقلص فُرص الاستثمار في فتح قاعات جديدة، أمام منافسة غير شريفة للقطاع العام عبر برنامج “س” الوزاري، وقصور قانون 18.23 (مادة 61 و62) في فرض حصيص واضح ومعتَبر للفيلم المغربي ببرمجة القاعات السينمائية، مع غياب تفعيل شفافية في رقم المعاملات وبنسب ربحية منطقية.
مشكلات جمة ومعقدة تستوجب إعادة النظر في المهنة، كمنظومة توزيع تقليدية متجاوَزة وسائطيا وتكنولوجيا، عبر التفكير في إحداث طرق تسويقية تعمل على تحسين نظام التواصل مع الجمهور المستهدف، الخاص منه والعام، وتصميم خيارات جديدة لسوق متغيرة كل حين، بهدف خدمة الجمهور المتعطش بجميع أطيافه، لتلبية شغفه السينمائي بشكل أفضل (فورية عرض المنتوج، الأجنبي تزامنا مع عرضه في بلد المنشأ أو مواكبة للحديث عنه في المهرجانات الدولية؛ والمغربي تزامنا مع جاهزيته أو مروره ب”المهرجان الوطني للفيلم” الأخير).
فلا يعقل بأن يُبرمج بالقاعات السينمائية فيلم أجنبي تم تسويقه عبر المنصات الإلكترونية او الأقراص المدمجة (حجة جودة العرض بالقاعة السينمائية، هي هاوية أمام غلاء التذكرة التي تفوق 50 درهما)، فهو بنظري مغامرة محكومة بالفشل سلفًا. كما هو الحال بالنسبة لفيلم مغربي الذي عُرض ب”المهرجان الوطني للفيلم” وتُرِك في علبته حتى غطَّاه النسيان (هناك أفلام تُوِّجت بجوائز عدة وانتظرت سنتين وأكثر لتعرض في القاعات التجارية، دون الحديث عن إعطاء الأسبقية لمهرجانات بالخارج).
فضلاً على الشرخ القائم في حلقة الترويج السينمائي الوطني، بعدم مواكبة “الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة”، كمرفق عمومي، لعملية ترويج الفيلم المغربي بصفة مهنية ولصيقة بالحدث والمستجدات، مكتفية بطرق تقليدانية غارقة في الكلاسيكيات الإخبارية، البعيدة كل البعد عن دينامية سوق الصناعة السينمائية، كما هو متعارف عليه هناك وراء البحر (مثلا، من غير المقبول عدم النقل الحي لحفلي افتتاح واختتام “المهرجان الوطني للفيلم” المنظم من طرف “المركز السينمائي المغربي).
أمام هيمنة مستغلي القاعات الديكتاتورية، زيادة على اقتطاعهم لحصة الأسد من التذكرة، الذي يبتدأ من معدل الثلث وقد يصل للثلثين، إضافة لانتظار المنتج المغربي لشهور للحصول على موعد برمجة غالبا ما يكون خارج أوقات الطلب الجماهيري، مع اختيارات تقييمية مجازية للموزع/مستغل القاعة، مما يَقْتُلُ الفيلم المغربي، سواء كمنتوج استثماري أو كمنتوج ثقافي وطني، وبالتالي عزوف المشاهد المغربي عن متابعته Désengagement (تتبًّع فرق كرة القدم بنهم العاشق، هو نابع من ماركتينغ متعدد الوسائط وحضور متجدد Engagement).
أظن أن معضلة توزيع الفيلم المغربي تقليديا قد وصلت إلى نقطة الشَّلل، مما يطرح عدة أسئلة بنيوية:
– هل نركز على فرض حصص أكثر للفيلم المغربي بالقاعات التجارية، الشيء الصعب أمام ضُعف جودة المنتوج فنيًا؟
– هل نستثمر في القاعات العمومية (صناعة ثقافية)، الصغيرة والمتوسطة الحجم، لتلبية تصريف/توزيع فيلم منتوج وطني (خاصة المُدعَم من المال العام) في إطار مشروع هوياتي مؤسَّس ومهيكَل نفعيا، وهل هو حل المرحلة؟
– هل نستمر في دعم المستثمِر الخاص لتنمية استئساده، على حساب الفيلم المغربي، وتلبيةً لنهمه الربحي الجشع، عبر أخذ النصيب الأكبر من التذكرة، ونضيف له دعما للإنشاء، وآخر للتحديث، وثالث لرقمنة المعدات دون عائد على سينيمانا؟
– أم نفكر جديا في دعم ترويج الفيلم المغربي، عبر إضافة/دمج فقرة ميزانية التوزيع في آلية التسبيق على المداخيل بتمويل إضافي طبعًا، أو بِوضع صيغة مُبتكَرة أخرى (علما أن، مثلا، ميزانية ترويج وتوزيع الفيلم الهوليودي توازي ميزانية إنتاجه: 1 دولار للإنتاج يقابله 1 دولار تسويق)؟
إن الهدف اليوم، هو بسط برنامج (خريطة طريق) تشاركي بين الخاص والعام، المهني والسياسي (صناعة ثقافية)، منفتحًا وذا قيمة مضافة لمجتمع مثقَّف وسينيفيلي، بغظ النظر عن حجمه أو رقم معاملاته (مرحليا)، بأسعار تنافسية ووسائط ترويجية حديثة ومبتكَرة (قاعات ذكية خاصة، مراكز ثقافية متعددة الاستعمال، إعلام مواكب، نوادي حيَّة ومرتبطة بالتكنولوجيا، جمعيات تشاركية متجدِّدة، خزانة سينمائية مهنية وتعاونية، جهات جغرافية شريكة وداعمة، سفارات المغرب بالعالم كقناطر تواصل وإشعاع تامغرابيت…)، وبإمكانات بشرية ومادية مهنية (مثلا خريجي “المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ISADAC”)، كفيلة بحمل مشروع صناعة سينمائية وطنية إشعاعية هادفة.
في نفس التسلسل، علينا الانتباه جاهدين لتعويض التأخير والعجز الكَمِّي والكَيْفِي الحاصل بسينيمانا. الانتباه أيضا، بشِدَّة البنكي، إلى الوضع المالي للشركات المُنْتِجة (جلها مقاولات فردية وصغيرة هشة) والبحث عن مؤشرات تحذيرية تفيد مثلا:
– عدم الوفاء بالالتزامات تُجاه صندوق التسبيق على المداخيل (منذ إنشاء آلية التسبيق على المداخيل سنة 2003 إلى 2025، لم يتم استرداد أكثر من 8% ثمانية بالمئة من مجموع ما صُرف من تسبيق)؛
– ضعف العرض الفني سواء على مستوى كتابة السيناريوهات أو التصورات الإخراجية، وهشاشة حرفية الصنعة (مثلا، فقر في تصوُّر الترويج والتسويق اعتمادًا على إمكانيات ذاتية محدودة)؛
– عطب التعاون مع الشركاء بما فيها القطاعات الخاصة (مثلا، الإشهار ومؤسسات الاحتضان)، والقطاعات الحكومية ذات الصلة، والهيئات المنتخَبة والمجتمع المدني (الثقافة شأن عام)، في إطار مشروع تشاركي متكامل في شكل “مديرية التعاون والشراكة” لتسهيل وتبديد العراقيل الإدارية واللوجيستيكية المتقادمة التي يعاني منها القطاع؛
– غياب الجماهير، حيث تصبح القاعة السينمائية “ثقباً أسود” يبتلع الأموال، مما يؤدي إلى إغلاقها وبالتالي فشل كل سياسة عمومية في المجال؛
– التَّماطل في بسط وتنسيق خطة وطنية لإحداث هيئة/اتحاد غير ربحية على شاكلة “أونيفرانس Unifrance” لفتح آفاق جغرافية وديبلوماسية للفيلم المغربي… وغير ذلك كثير.
إن مهن التوزيع السينمائي في مغرب اليوم أصبحت أشبه بمن يحاول ملء دلو مثقوب؛ فبدون جمهور واسع، وبدون قاعات موزَّعة جغرافياً وبعدالة مجالية، وبدون قدرة شرائية تدعم هذا الاستهلاك الثقافي، وبدون مواكبة إعلامية ونقدية جادة، ستظل هذه المهن مجرد نضال مستميت من أجل البقاء، بدلاً من أن تكون قطاعاً اقتصادياً يساهما في قيام وتطوير “الصناعة السينمائية” الوطنية والمواطِنة.
المطلوب، الآن وهنا، رؤية جديدة ومتجددة، قابلة للتفعيل خلال العامين المقبلين، لقلب مفاهيم التدبير التقليداني البيروقراطي، ومواكبة الرَّكب السينمائي الهارب والمُتسارِع بين جوقة الأمم. رؤية، بوصلتها فَرَضِيَة كون الصناعة السينمائية هي بالأساس خلَّاقة للقيمة المضافة فنيًا وتجاريًا، وتنافسية إبداعيًا وابتكارًا، وبعائد أمني ثقافي وهوياتي وطني لا يُقَدَّر بثمن.
أختم حديثي هذا بالتَّذكير المُلِح والقائم ليومنا هذا، بعد مضي 13 ثلاثة عشر سنة خلت، بتوجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في معرض رسالته السامية إلى المشاركين في أشغال “المناظرة الوطنية حول السينما” في 16/10/2012:
“نود أن نشدد في هذا الصدد على أن الهدف الأسمى الذي نتوخاه، يتمثل أولا في صيانة المكتسبات المسجلة في القطاع السينمائي، وتوفير المزيد من أسباب تطويره وإنمائه، مع التركيز على تحقيق الجودة في الإنتاج، للانتقال من الرصيد الكمي إلى التراكم الكيفي، في إطار تثمين الهوية المغربية، والانفتاح الواعي والمتبصر على تفاعل الثقافات والقيم الإنسانية الكونية، والحرص على ضمان حرية الإبداع، ورعاية المبدعين، ودعم مبادراتهم الجادة والهادفة، مستحضرين باستمرار الرسالة النبيلة للإبداع السينمائي، وحاجتنا الملحة إلى إنتاج سينمائي وطني، يقوم على توطيد الشخصية الثقافية الوطنية، ورفع إشعاع الرصيد الحضاري والثقافي والتاريخي للمغرب، والحفاظ على جاذبيته وتنافسيته“.