عبد الإله الجوهري
يوم 12 ماي 2026، جو صحو مشمس بمدينة كان الفرنسية، المدينة المستلقية عند شاطئ من شواطئ الريفييرا الفرنسية، يتعانق البحر بالرمل، والمرتفعات الخضراء المؤثثة ببنايات فاخرة تظلل عمارات عند السفح حيث الحركة التي لا تتوقف استعدادا لحفل افتتاح الدورة 79، أي دورة من دورات المهرجان السينمائي الأشهر في العالم، لمهرجان “كان” السينمائي الدولي، بكل حمولته التاريخية والفنية. الشوارع غاصة بالمارة، وملصقات تزين المحلات والواجهات حيث يستعيد الرائي لها مشهدا خالدا من مشاهد الفيلم الأمريكي الشهير “تيلما ولويز” للمخرج ريدلي سكوت.
رغم كل هذا، واستعداد المدينة بكامل زينتها، تبدو حركة السينمائيين أقل قوة وحضورا من الدورات الماضية، ربما يعود الأمر للأحداث التي تجتاح العالم، خاصة منها حرب مضيق هرمز وخوف النجوم من المغامرة بالسفر، وأيضا، كما صرح لي صديق خلال حديثنا عن هذا الأمر، بسبب الأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها عالميا، أزمة حدت من سفر الناس، وقيدت رغباتهم في العيش كما كان الأمر في الماضي، هذا دون الحديث عن اكتشاف حالة من حالات الفيروس اللعين المسمى “هانتا” بفرنسا، والذي هو الآخر، ولاشك، كان له بعضا من التأثير على مجيء النجوم.
مهرجان “كان” هذا العام، ورغم كل شيء، يبدو واعدا ببرمجته الغنية وفقراته العديدة المتعددة، وأفلامه التي تجعل عشاق السينما يحلمون بالحضور، أو على الأقل المتابعة عن بعد، وبعضهم ركب المغامرة وأتى رغم كل شيء من أجل الإحتفال في الفضاءات المنذورة لعشق الصورة، والإحتفاء بمعانقة التجارب الفيلمية والإلتقاء بنجوم الدورة.
جولة بسيطة بين أروقة الدول المنصوبة بنظام وانتظام غير بعيد عن القاعة الكبرى، أي قصر المهرجان، تجعلك تحس أنك حاضر في موسم من مواسم المحبة والفرح، بلدان متجاورة، وأعلام ترفرف حسب أهواء الريح وضدا على من لا يريد للعالم أن يعيش في سلام. هنا يطالعنا علم المملكة المغربية مرفرفا من بين عشرات الأعلام، خفاقا فوق رواق يبدو أكثر حركة وحركية من حيث توافد الزوار، وتصاعد جلبة السلام والنقاشات بين الحضور، رواق يصر على التواجد كل سنة من أجل خلق دينامية خاصة، وسط جموع السينمائيين العالميين، ومعهم عشاق السينما المغاربة.
الساعة العاشرة صباحا، دلفت باب الرواق لأجد السيد مدير المركز السينمائي المغربي واقفا يستقبل الزوار، مجيبا على أسئلتهم فيما يتعلق بالمغرب وامكانياته السينمائية وما يوفره لكل راغب أجنبي في التصوير، وما شابه ذلك من أسئلة عامة تتمحور عن فضاءات التصوير والتسهيلات.. ورغم انغماره في المحادثة، انتبه لدخولي فوجه لي التحية عن بعد قبل أن يواصل حديثه مع مخاطبيه الشيء الذي جعلني احس بالسعادة وسيادة روح المسؤولية التي كانت تلقي بظلالها على المكان، وأحسست أن المغرب، بسينماه وسينمائييه، قادر على دعم جهود الدولة المغربية في جعل صورة البلد أكثر قوة وجاذبية من خلال دبلوماسية ثقافية فنية مميزة ومتيمزة بروحها المغربية الأصيلة.
حفل الافتتاح لم يبتعد كثيرا عن جل ما نتابعه في أغلب المهرجانات السينمائية الكبرى عبر العالم، سجاد أحمر وبعض من النجوم يتباهون بأزيائهم المثيرة واطلالاتهم البهية، مع تدافع حشد من الصحفيين لالتقاط الصور والحصول على تصريحات من المكرمين والمشاركين بأفلام ضمن مختلف المسابقات.
الابتعاد عن الثرثرة والتلوث البصري سمة الأجواء العامة للحفل، مع المراهنة على قيم الجمال، من خلال لوحة فنية بسيطة مباشرة للممثلة الفرنسية إي هاييدارا، “اللوحة الخطاب” جاءت مضمخة برائحة سياسية واضحة ونبرة تهكمية تعكس مدى ما وصل له العالم من عبث، حيث قالت:
“أعزائي الضيوف، وأعزائي المشاهدين، ومستخدمي الإنترنيت عبر العالم.. أو بالأحرى في كل مكان لم يقطع فيه الإنترنت، وفي كل مكان يستبدل فيه الذكاء الاصطناعي بالواقع”.
الحفل عرف تكريم المخرج النيوزيلندي بيتر جاكسون نظير ما قدمه للمخيال السينمائي من أفلام انتصرت للعجائبي والغرائبي في نفس الوقت، أفلام مفارقة للواقع، خاصة منها تلك التي اشتغلت على قصص تاريخية فنتازية من مثل سلسلة “سيد الخواتم” والفيلم الخالد “كينغ كونغ”. ورغم اطراء الممثل ايليجاه وود على مساره وشكره على ما قدمه، فإن المكرم واجه فعل التكريم، والحصول على سعفة المهرجان عن مجمل أعماله بلا مبالاة واضحة، قائلا بسخرية ضاجة بالمعاني: “مازلت أحاول فهم سبب حصولي على السعفة الذهبية، فأنا لست من النوع الذي يحصل عادة على هذا التكريم”.
ميزة الدورة 79، تتمثل بالأساس في لجنة التحكيم المكونة هذه السنة من أسماء سينمائية كبيرة، أسماء حاولت تمثيل مختلف سينمات العالم، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، واسناد الرئاسة لأحد أهم السينمائيين العالميين المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك، إلى جانب النجمة ديمي مور، وكلوي تشاو، وروث نيغا، وستيلا سكارسغارد، وإسحاق دي بانكولي، ولورا واندل، ودييغو سيسبيديس، وبول لافيرتي.
وقبل عرض فيلم الافتتاح “فينوس الكهربائية للمخرج الفرنسيبيير سالفادوري، جاءت المفاجأة باستقبال النجمة الصينية أونغ لي التي تقدم هذه السنة نسخة مرممة من فيلها “زوجات وعشيقات” للمخرج زانغ ييمو، والنجمة الأمريكية جين فوندا التي كان لها شرف إعطاء انطلاقة الدورة باعلانها عن بدء الفرجة، فرجة ولاشك ستكون متخمة بالمفاجآت رغم قلة حضور النجوم كما كان الأمر في الدورات السابقة.