هشام الودغيري
تتسم وتيرة إنتاج الأفلام المغربية المدعومة (محليًا و/أو دوليًا) بالتباطؤ، حيث تتراوح غالبًا في حدود أربع سنوات كمتوسط أدنى (باستثناء بعض الحالات الخاصة) لكل مخرج (ة). هذا الركود الإنتاجي، كما وكيفًا، يفرض اليوم تقييمًا شاملًا وهادئًا، ويفتح ضرورة إعادة التفكير في آليات الدعم، والابتعاد عن بعض الاختيارات التي أبانت عن محدوديتها، من قبيل ورشات الكتابة التي لم تُنتج، في أغلبها، لا قفزة نوعية في المستوى الفني ولا تفاعلًا جماهيريًا يُذكر، فضلًا عن الرحلة المُرهِقة والمُكلفة، زمنًا ومالًا، في البحث عن دعم الصناديق الأجنبية، التي تبدو مُغرية في ظاهرها، لكنها كثيرًا ما تُخفي اشتراطات ثقافية وسياسوية لا تخدم بالضرورة الرؤية الوطنية للإبداع.
بنظري، اليوم وهنا، وجب تسليط الضوء على إشكالية بطء وضعف وتيرة الإنتاج والتوزيع، مقارنة بشغفنا المتزايد بمتابعة الإنتاجات الأجنبية، خاصة الغربية منها، التي تواصل سباقها البراغماتي نحو تحقيق شعبية جماهيرية واسعة، ومداخيل قياسية في شباك التذاكر عبر العالم. إنتاجات مدعومة بنظام صناعي واقتصادي متماسك، يقوم على أفكار سردية وتسويقية مبتكرة ومتجددة، ويُراكم الخبرة والاستثمار دون عقدة الدعم العمومي. (وليس خافيًا أن بعض الأعمال السينمائية العالمية تحصد، في أسابيع قليلة، ما لا تحصده سينمات دول بأكملها في سنوات).
من هذا المنطلق، كان من الأجدر، عند صياغة قانون “الصناعة السينمائية” رقم 18.23، التفكير في توفير أدوات مالية جديدة وموازية تُجسِّد هذا العنوان السياسي الجذاب. غير أن الاجتهاد التشريعي انصبّ أساسًا على توسيع دائرة العقوبات والغرامات المالية، التي قد تصل في بعض الحالات إلى مائة مليون سنتيم، مقابل تقصير واضح في إدراج آليات تحفيزية قادرة على خلق دينامية إنتاجية جديدة، سواء عبر إعفاءات ضريبية موجهة، أو صيغ مبتكرة لتعزيز موارد صندوق الدعم، أو فتح المجال الحقيقي أمام القطاع الخاص للاستثمار في السينما، أو تفعيل أدوار مجالس الجهات في بناء شراكات إنتاجية متعددة القطاعات، تجمع بين العمومي والخاص.
للأسف، بدا التشريع السينمائي في هذا الجانب أقرب إلى منطق زجري صرف، يُراكم النصوص والعقوبات، دون أن يُوازيها بتصور استثماري واضح المعالم. فالقانون، حين يُختزل في الردع فقط، يفقد قدرته على خلق القيمة، ويغيب عنه البُعد التحفيزي الضروري لأي قطاع يُراد له أن يتحول إلى صناعة قائمة الذات.
الحديث الملحّ اليوم هو عن غياب ميكانيزمات حقيقية لاستقطاب الرساميل الإنتاجية في السينما المغربية. فالرأسمال السائل هو المحرك الأساسي للصناعة السينمائية عالميًا، بينما لا تزال “سينيمانا” الوطنية شبه محصورة داخل آلية الدعم العمومي، دون وجود صناديق استثمار خاصة ومتخصصة، قادرة على لعب دور المُكمِّل أو البديل. التمويل البنكي والاستثماري، كما هو معمول به في تجارب دولية ناجحة، ما يزال غائبًا أو مترددًا، بسبب هشاشة النموذج الاقتصادي للقطاع، وبطء العجلة الإنتاجية، وضعف جاذبية السوق.
وعليه، يُكتب التعثر لأي سياسة عمومية لا تُبنى على رؤية استثمارية تشاركية، ولا تُراعي منطق “رابح–رابح”، حيث تتحول المالية العمومية إلى عبء، بدل أن تكون رافعة لجذب الرساميل الخاصة. فلا قطاع مهني، كيفما كانت أهميته الرمزية، قادر على النهوض دون شراكة حقيقية مع التمويل الخاص، بما في ذلك المشاريع العمومية الكبرى.
والمفارقة المؤلمة، في المقابل، هي بروز رأسمال “خاص” ضعيف أو ملتبس المصدر، يقتحم المجال السينمائي بمنطق الربح السريع، عبر إنتاج أعمال تفتقد للحد الأدنى من المهنية والجدية، باستثمارات محدودة، وبمضامين فقيرة، تُعرض في قاعات مدعومة من المال العام، في منافسة غير متكافئة مع مشاريع جادة تُحاول الاشتغال بمنطق الصناعة الحقيقية. وهو وضع يُفرغ مفهوم “الصناعة السينمائية” من محتواه، ويُسيء للجمهور قبل أن يُسيء للمهنيين.
إن بناء صناعة سينمائية وطنية لا يتم فقط عبر القوانين والمراسيم والنصوص التنظيمية. فالقانون، في حد ذاته، ليس ضمانة للنجاح، إن لم يُواكَب بتخطيط استراتيجي تشاركي، وبميثاق شرف مهني يلتزم به الجميع، من منتجين ومخرجين وتقنيين ونقاد ومؤسسات. ميثاق يُؤسس للتنافسية الشريفة، ويُعلي من قيمة “تامغرابيت” الإبداعية، ويجعل من الشغف والعمل الجماعي أساسًا لأي إشعاع ثقافي حقيقي.
رجائي، إذن، ألا تنصاع الإدارة لمنطق بيروقراطي أعمى، يستسهل الاعتماد على خبرات تقنية معزولة عن روح الفن السابع، فتُفرِز معايير جامدة تُقدَّم كمرجع للاعتماد، من قبيل اختزال السينما في عدد الصور في الثانية، أو نقاء الصوت والصورة فقط، وكأن الإبداع فعل تقني محض. مثل هذا المنطق يُحوِّل السينما إلى تمرين مدرسي، ويُقصي جوهرها بوصفها رؤية، ولغة، وموقفًا فكريًا وجماليًا.
ختامًا، يبقى التذكير ضروريًا: الفن، في جوهره، مرآة المجتمعات، ووسيلتها للتعبير عن ذاتها وتناقضاتها وأحلامها. والسينما، حين تُختزل في قوانين بلا رؤية، تفقد قدرتها على أن تكون منارة، وتتحول إلى مجرد ملف إداري. أما حين تُؤسَّس على رؤية، واستثمار، وثقة في الإنسان المبدع، فإنها تصبح قوة ناعمة حقيقية، وصورة مشرقة لبلد بين الأمم.