هشام الودغيري
هناك ما هو أعمق بكثير من مجرد نقاش سينمائي حول فيلمٍ ما، ألا وهو فهم جذور العطب الذي تعانيه سينمانا. فالكثير من المهنيين والنقاد والمتابعين لا يمتلكون معرفة كافية بالجانب الخفي لصناعة السينما؛ إذ إن الإنتاج لا يأتي دائمًا بنوايا طيبة، بل تحكمه اختيارات وإكراهات توافقية في العمل الميداني، للخروج من مأزق تقني/قانوني وجدال “ثقافي”.
هل تعشق السينما؟ هل تهتم بسينماك؟ إن كنت كذلك، سواء كنت وزيرًا أو رجل أعمال أو مخرجًا أو ممثلًا أو تقنيًا أو وسيطًا مستغِلًا، أو مجرد هاوٍ مشاهد، فأنت مبهور بعالمها الساحر حيث التنافس الإبداعي بلا حدود، والاستثمارات بملايين الدولارات تقابلها مردودية بالمليارات. لكن هذا العالم يختلط فيه المال بالإبداع، والنجومية بالتسويق، والبروباغندا بالإشهار، والصالح العام بأغراض شخصية.
في المقابل، يردد صوت سياسوي أنه لا داعي للقلق بشأن مستقبل السينما، فالمشروعات تقتصر على توظيف تقنيين وإطعام المقربين، مع ملء خانات إدارية ومالية لتبرير صرف الاعتمادات العمومية، بينما يظل الإنجاز الفني والإبداعي رهين رؤية إدارية وترتيبات سياسية، وتُختزل انتقادات المهنيين والنقاد في “غوغاء” عابرة.
ورغم ذلك، تواصل آلة الدعم إنتاج أعمال كثيرة، معظمها تافه، ونزر قليل منها يحمل ومضات مشرقة، وأعمال أخرى تعبّر بحياء عن أفكار فريدة لكنها غير مكتملة بسبب ضعف التمويل أو قصور الخيال الإبداعي. وتُطرح في هذا السياق آراء متضاربة وخطابات مبهمة وقرارات ارتجالية بأسلوب متعجرف، مع غموض يلف الأسئلة الحقيقية وفقر بنيوي في إيجاد حلول عملية قابلة للتطبيق.
السؤال المطروح إذن: متى نعلن القطيعة مع النظام الحالي غير العقلاني، الذي كرّس إنتاج سيناريوهات تقليدية هشة بإسراف مالي ريعي، ينتهي أغلبها إلى رفوف الإدارة؟ نظام يرفض الأصالة الإبداعية محليًا ودوليًا، في ظل شح التمويل المهني لمشروعات واعدة.
إلى متى ننتظر يقظة الوعي الجمعي المهني لتأتي رياح التغيير بأنفاس حداثية تقضي على التفاهة، وترفض توجيهات “كولونيالية حديثة” بعسل تمويلاتها السامة، وتواجه سياسة استبدادية لمنطق إدارة مهيمنة تقتل الإبداع؟
الغيورون على الميدان يدركون تجسيد داء العطب، وهم يقفون عند خط انبثاق تحول جديد يستلهم روح قانون “الصناعة السينمائية”، بهدف تفعيل سينما وطنية إبداعية تعبّر عن “تامغرابيت”، وفن فرجوي جماهيري قادر على تجاوز حدود المكان والزمان وإيجاد صدى بين الأمم، بعيدًا عن مغالطة مسايرة دعم “المخرج/المنتج المغربي المهاجر جالب الدعم الأجنبي”.
دوليًا، تُظهر الخبرات والدراسات أن السينما لا تبلغ مكانتها إلا حين تناضل من أجل ذاتها، كما حدث مع السينما الإيرانية، أو عندما يقاوم مهنيّوها لمصلحة الجميع، كما في اليابان مع مبدعي المانغا، ومع إضراب كتّاب السيناريو في الولايات المتحدة سنة 2023. فالنضال المهني يصبح مشروعًا عندما يخدم المصلحة العامة، ويقوم على تكافل الإدارة والسياسة والمقاولة والإبداع ضمن حراك ثقافي جمعي.
ومن هذا المنطلق، يبدو استمرار قيود الرجعية عبثيًا؛ إذ اختارت الإدارة، مثلًا، شريطًا بعنوان “Behind the Palm Trees” لتمثيل السينما المغربية في مهرجان برلين 2026، وهو عمل لا يمثل — في نظر الكاتب — السينما الوطنية ولا صورتها الحقيقية ولا المعايير الإبداعية المرجوة.
كما أن الملصق المعتمد للترويج بسوق الفيلم الأوروبي وُصف بأنه “فظيع”، بتصميم فوضوي وخطوط غير مقروءة وألوان هستيرية ورسالة غامضة، بما يسيء لصورة العلامة التجارية للمغرب سياحيًا وسينمائيًا.
ويبقى السؤال: هل نعيش مفارقة سياسية/ثقافية تجعل من الإدارة عدوًا مستترًا للفن؟ ألم يحن الوقت ليصبح وضع سينمانا مختلفًا؟ لعل الأفق المنشود هو الإبداع السينمائي بروح “تامغرابيت”، وتجريب سحر يحررنا من إملاءات مستوردة أثبت الواقع فشلها الذريع.