هشام الودغيري
يقترن اسم برلين عندي بثلاثة أمور وهي: ديكتاتورية هتلر، سقوط حائط برلين وحيوان البغل. من هنا سأنطلق في التعبير عن رأيي بخصوص المشاركة المغربية بفعاليات مهرجان برلين.
ديكتاتورية هتلر.
من المعروف عن الاشتراكية الوطنية (النازية) أنها لم تكتفِ بالسلطة السياسية فحسب، بل أعادة تشكيل المشهد الثقافي بتعزيز ما عُدَّ قِيَماً “ألمانية” تقليدية، بالقضاء على التأثيرات اليهودية و”الأجنبية” و”المنحَطة”، وإنشاء مجتمع عرقي يتماشى مع المُثل النازية. في ذلك، لا يتعين على الثقافة والفن الابتكار بل نسخ ما تقبَله العقليات؛ وعلى النظام تحديد ما هو جميل وما هو ليس كذلك، وما هو فن وما هو ليس كذلك، فتَتِم إثر ذلك تطوير أبجديات اللغة المُنَقَّاة/المُطَهَّرة، مع شيوع العنصرية والعودة إلى “الأرض” في التيارات الأدبية الأربعة التي ظهرت بين عامي 1933 و1945: “التيار القومي” الذي مجَّد الحرب كمصدر للقيم الإنسانية، و”الرومانسية الجديدة” التي تغنَّت بألمانيا الأبدية، والإقليمية الجهوية وأدب الدعاية.
سينيمائيا، كان ذلك تحت إشراف جوزيف غوبلز، حيث ساعدت “وزارة الرايخ للتنوير العام والدعاية”، بالتعاون مع “غرفة ثقافة الرايخ”، في تحديد الأفلام والفنون والموسيقى والأدب المقبولة سياسياً، ومن يُمكِنه العمل في هذه المجالات الثقافية. ساهمت تظاهرات ثقافية في ترسيخ تلك الرؤية الديكتاتورية، مثل معارض “الفن المنحَط” و”معرض الفن الألماني الكبير”، في تحديد ما هو مقبول وما هو غير مقبول للجمهور في زمن الرايخ الثالث.
تلك صورة فلاش باك أسقطتُها على تدبير وتسيير ملف مشاركة المغرب ببرلينية 2026، حيث ساد العملية منطق هتليري غوبلزي، تعرَّض بها الأشخاص الذين يُعتبرون غير موثوق بهم “سياسيويا” لإقصاء منهجي (كما تم تطهير المؤسسات الثقافية الهتليرية من اليهود)، وفي غياب ألية انتقاء ديمقراطية، تم تحديد ما هو مقبول لتمثيل السينما المغربية ببرلين بمنتوجات هجينة (شبه Autodafés سينمائيا)، وعلى خطا المُخرجة ليني ريفنشتال في تمجيدها للأرْيانية Aryanisation، هنا أنموذج مغاربة الشتات la diaspora.
سقوط حائط برلين.
الكل يعرف الحدث التاريخي حين سقط حائط برلين سنة 1989، مُعلنا القطيعة مع الدكتاتورية الشيوعية ووقف الحرب الباردة واتحاد ألمانيا (الشرقية والغربية). إثر ذلك، شهدت الثقافة الألمانية تحولاً جذرياً، حيث اندمجت فيها الطاقة الإبداعية لبرلين الشرقية مع بنية برلين الغربية. تميزت هذه الحقبة بإعادة توظيف الفضاء الحضري، وإعادة تعريف الهوية الوطنية، بمزيج فريد من التأثيرات، مما أدى إلى خلق مشهد فني جديد نابض بالحياة؛ فأصبحت مدينة برلين مركزاً للثقافة والسينما والمسرح والموسيقى، حيث أعادت بناء نفسها كعاصمة سياسية وثقافية لفدرالية ألمانيا، بفعل شيوع ثقافة اللامركزية إلى حد كبير، مع ولايات فيدرالية تتمتع بالحكم الذاتي، كرد فعل على الماضي الديكتاتوري الذي اتسم بالمركزية. سمح ذلك لألمانيا بترسيخ مكانتها كقوة ثقافية رئيسية في أوروبا، بموازاة مع قوتها المالية، فكرَّست السياسات العمومية، إلى جانب الحِراك المجتمعي مدينة “برلين” كعاصمة الفنون” وذلك ابتداءً من مطلع تسعينات القرن الماضي.
كما تأسست سينمائيا، عقب ذلك، حركة إبداعية عُرفت باسم “الموجة الجديدة” أو “مدرسة برلين”، بفضل إسهام واستحسان النُّقاد، تلك المدرسة أتاحت للنقد السينمائي فرصة مصالحة الجمهور بالشعور والانتماء مجددًا إلى السينما الألمانية كما كانت في أوجِها بعقد ما قبل الدكتاتورية، وفتح النقاش حول ماهية السينما الوطنية واستكشاف ومعالجة أزمة الهوية والأهداف الوطنية، كما كان الحال في عصر السينما الألمانية “الجديدة” بالستينيات والسبعينيات، مع مناقشة الدور الاجتماعي لهذا الفن من جديد على أنقاض الشيوعية؛ وهي موجة تُجووزت الآن بفعل انفتاح السينما الألمانية على تعدُّديات موضوعاتية عملت على استكشاف الواقع المعيش بالاستفادة من الأنواع الأدبية المعاصرة.
كذلك كان شأن مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد سقوط جدار برلين (تأسس عام 1951 بمبادرة الحلفاء الغربيين كـ”معرض للعالم الحر” في خضم الحرب الباردة)، حيث انخرط في “الموجة الجديدة” عبر إتاحة مساحة نقدية خاصة تُركِّز على الأفلام التي تنتقد السلطة وتكسر القوالب التقليدية للأعمال ذات التوجه السياسي بشكل خاص (الفيلم الافتتاحي لدورة 2026 لا يخرج عن القاعدة، من إخراج المخرجة الأفغانية شهربانو سادات “No Good Men”، تم تصويره بشمال ألمانيا، بمشاركة لاجئين أفغان).
صورة فلاش باك أخرى، تُغَلِّف خلفيات من المفروض وضعُها في إعداد ملف مشاركة المغرب ببرلينية 2026، حيث من الواجب الانخراط في مناخ المهرجان بتقديم سينما مغربية تندرج فيها طاقة إبداعية مُجدِّدة عوض نسخ تجارب برهنت عن محدودية إبداعها (احتضان عرض ثلاثة أفلام طويلة ب”عروض السوق Market Screenings” كلها من إنتاج فرنسي بنسبة تفوق 50%، واثنين منهم لم يحصلا أصلا على توافق نقدي مغربي إيجابيا، في انتظار مشاهدة الثالث)، وإعادة تعريف الهوية الوطنية بخلاف ما هو متعارف عليه هنل وهناك في صالونات دبلوماسية مخملية من نهر أبي رقراق إلى نهر شبريه Spree، وفتح نقاش لدى النُّقاد والمنتجين المهتمين بألمانيا والعالم بالرؤى الإبداعية لسينيمانا المغربية (الجوانيية) كـ”معرض لعوالم تامغرابيت” بأفلام تُسائل معيش مغربنا ونخاع الشخصية المغربية بتعدد جذورها ومشاربها (كنتُ متوقِّعا عرض فيلم “النمل The Ants”، مثلا)؛ ولا يُقتَصر في ذلك على السينما فحسب، فهناك فقرات موازية لمهرجان برلين تظم فقرات وفنونا أخرى (مثلا، “Generation Kplus & plus14”، برنامجان تنافسيان يعرضان أحدث الأفلام السينمائية العالمية ذات قيمة فنية عالية سواء تحريكية أو تقليدية، موجهان للشباب أساسا، أو برنامج “كُتب في برلين Books at Berlinale” في إطار سوق الإنتاج المشترك بالمهرجان، بالتعاون مع معرض فرانكفورت للكِتاب)، تهم الجمهور البرليني عاشق الفنون وقضايا الانتماء وتجارب العيش بين عوالم كونية متعددة، الشي الذي لم يوفَّق فيه التصور العام لعرض المغرب بالبرليانية، تمثيليةً بشريةً ومشاريعًا (فعاليات مهرجان سينمائي دولي ليست هي فعاليات معرض الفلاحة أو السياحة!).
حيوان البغل.
نُطْق اسم “برلين/بغلين” يقود قياسا لاسم “البغل”، الحيوان الأليف الذي يستغله الإنسان في شتى شؤونه المعيشية، خاصة بالعالم القروي، حيث هو الدابة التي يعتمدها في تنقلاته ولِحَمل أثقاله بين أصعب الطرق والمنعرجات، وقد كان هو الأداة اللوجستيكية (عسكريا) في تمكُّن الجنرال ليوطي من إخضاع المناطق الجبلية وعرة الولوج بالمغرب، إلى درجة تفكيره في تشييد تمثال تكريمي له بساحة عمومية بالدار البيضاء. هذا الحيوان، القوي والصبور، بفضل ملَكته الفطرية وقوته البدنية أعان مهندسي الطرقات بشتى بقاع العالم في شق المسالك الجبلية بدرجة الارتفاع/الانحناء المطلوبة تضاريسيا، وهي 13 درجة دون معونة آلة القياس المختصة.
استعارة مجازية، تفيد قوة القاطرة، أقيس بها مفارقة ثِقل ميزانية جناح المغرب بفعاليات مهرجان برلين (600 مليون سنتيم كرقم أدنى)، مقابل هشاشة القطار في غياب حرفية هندسة استراتيجية استباقية لاقتحام سوق الفيلم الأوربي European Film Market.
حضر المغرب بEFM عن طريق برنامج المهرجان الجديد “سبوتلايت أون Spotlight On”، وهو مُصمَّم لربط مشاريع الأفلام قيد التطوير أو في مرحلة ما بعد الإنتاج، مع أبرز المتخصصين في صناعة السينما عالميا (كما قيل)، هذا البرنامج عرف مشاركة جد منافسة من طرف الدول التالية:
- الشماليون The Nordics (قدمت عشرة أفلام روائية طويلة من طرف تجمُّع مؤسسات الأفلام بالدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد، التي عُرفت سابقًا باسم “الأفلام الإسكندنافية”)،
- التايوان (تتولى وكالة المحتوى الإبداعي التايوانية (TAICCA) قيادة أنشطة سوق الأفلام الأوروبية بواسطة جناح وجلسة عرض المشاريع، بينما تقوم شركات الإنتاج Flash Forward Entertainment وGrX Studio وPegasus Entertainment بتسويق 100 عنوان عبر 51 شركة)،
- إسبانيا (يعمل تحالف مجموعة مدريد السمعية البصريةCluster Audiovisual Madrid، ومنطقة فيلم مدريد Film Madrid Region، ومكتب فيلم مدريد Madrid Film Office، بنشاط مكثف بالاستفادة من فعاليات تواصلية مبتكرة لتعزيز مكانة إسبانيا كمركز للإنتاج الدولي)،
- الأوروغواي (عملت على تسليط الضوء بعروض الأفلام الروائية فقط، وهي من تنظيم وكالة السينما والسمعيات البصرية في أوروغواي ACAU)،
- اليونان (قامت بعرض خاص لأعمال روائية قيد الإنجاز من إنتاج “تي آي إف إف أغورا TIFF AGORA”، وهو ملتقى دولي وفعالية تجارية تابع لمهرجان ثيسالونيكي السينمائي الدولي المُموّل من قِبل وزارة الثقافة اليونانية، يُتيح الفرصة لأربعة مُنتجين يونانيين، ممن شاركوا في قسم الصناعة السينمائية “أغورا” في دورته الأخيرة (66) الأخيرة للسفر إلى أهم حدث عالمي في هذا المجال)،
- كوريا الجنوبية (تنظيم المجلس الكوري للأفلام KOFIC، في إطار برنامج الإنتاج المشترك الدولي الذي أطلقه المجلس حديثًا على إثر إصدار دراسة شاملة تُحدِّد استراتيجيات تعزيز حضور السينما الكورية في سوق أمريكا الشمالية بفضل تطوير وسائل الإنتاج المشترك، تبغي في ذلك تحوّل جوهري في كيفية استفادة الأفلام الكورية من الشراكات الدولية، بالانتقال من أنموذجات التوزيع التقليدية إلى التعاون الإبداعي القائم على الملكية الفكرية)،
- اليابان (يمبادرة UNIJAPAN خُصص جناح لدعم التعاون الدولي، وعرضت بالفقرة 7 سبعة أفلام تُبرز تنوُّع السينما اليابانية، من أفلام الأنمي إلى الأفلام الوثائقية والأفلام الكلاسيكية)،
- والمغرب (بتنظيم المركز السينمائي المغربي CCM، وهو الدولة المحورية في سوق الفيلم الأوروبي لعام 2026Country in Focus ، وهي المرة الأولى التي تحظى فيها دولة أفريقية بهذا التكريم. سُلِّط الضوء على صناعة السينما المغربية بعرض 10 عشرة مشاريع أفلام على شركاء عالميين محتملين (قيل)، تم اختيارهم من طرف المركز).
للمعلومة: باقة “سبوتلايت أون”، هي فقرة عرض تجاري إعلاني بمقابل مالي، وليست تذكرة دخول عامة. تشمل الباقة عرضًا تقديميًا لمدة 60 دقيقة، ودعمًا فنيًا، وترويجيا، تبلغ تكلفتها 1500 يورو بالإضافة إلى ضريبة القيمة المضافة، مع خصم 50% عند حجز مكان لإقامة فعاليات بسوق الفيلم الأوروبي.
الغريب في مشاركة المغرب بهذه الفقرة، هو تمتُّعه بحِصَّتين تقديم أيام 14 و15 فبراير، الأولى خصت 6 مشاريع قيد التطوير Projects in Development ، والثانية حول 4 مشاريع بعد الإنتاج Works in Progress، بخلاف الدول المذكورة أعلاه التي اكتفت فقط بحصة واحدة.
كما شارك المغرب ب”صالون الأفلام الوثائقية EFM DocSalon”، المنظَّم من طرف “الجمعية المغربية الألمانية للتبادل حول الأفلام الوثائقية” (أول مرة أعلم بتواجد هذه الجمعية)، وقام بتنظيم “غذاء الأفلام الوثائقية” قدم فيه 4 أربعة مغاربة (شركة إنتاج، والقناة الثانية 2M، ومهرجان Fidadoc، ومخرج مستقل) لمحة عن إنتاج الأفلام الوثائقية في البلاد (قيل) أمام ممثلين لهيآت ألمانية (German Films، Deutsche Welle، World Cinema Fund، Dok.fest Munich، Goethe-Institut Morocco، ومنتجَين ألمانيين)، بالإضافة إلى فتح فرصة للتعرف على صُناعها والتواصل معهم. (على حسب موقع المهرجان وكطالوج المركز).
العجيب المُريب في مشاركة المغرب بهذه الفقرة، هو غياب تمثيلية “الغرفة المغربية لصُناع الفيلم الوثائقي” و”فيدرالية مهنيي السينما والسمعي البصري بالصحراء”.
هذا، وأثناء إطلاعي على المشاريع المغربية المعروضة بسوق برلين وقفت على عدة شوائب:
- كيف تمت عملية انتقاء المشاريع، في غياب إعلان طلب عروض مفتوح لجميع شركات الإنتاج، ووفق دفتر تحملات يخضع لمعايير سوقEFM واستراتيجية المركز كمرفق عمومي؟ وجدت (مثلا) شركة تقدَّمت بمشروع شريط روائي، على أنه كان منجزًا في إطار ورش تكويني مؤسساتي.
- بالمشاريع قيد التطوير هناك مشروعان لشركة واحدة، كيف تم ذلك؟
- أين هي المشاركة المغربية بسوق الإنتاج المشترك في مهرجان برلين السينمائي الدولي Berlinale Co-Production Market، بخانة مشاريع الأفلام الروائية، وخانة مشاريع المسلسلات الدرامية، وبسوق مشاريع المواهب، وبقسم “كُتب في برلين” لتقديم الروايات (أمر جد جد مُستبعَد)، أو حتى بخانة “بدون مشروع” المفتوحة أمام المنتجين والممولين ووكلاء المبيعات ذوي الخبرة، بالإضافة إلى ممثلي صناديق الأفلام وهيئات البث وموزعي الأفلام في دور العرض وعلى الإنترنت؟
للمعلومة: تم رسميا بهذه الدورة اختيار 35 مشروعًا سينمائيًا من 27 دولة للبحث عن شركاء ماليين وإبداعيين، بهدف إنتاجها كمشاريع مشتركة دولية، كما تم اختيار 10 عشرة مشاريع مسلسلات درامية جديدة لعقد لقاءات مع شركاء الإنتاج المشترك والتمويل الدولي، بالإضافة لانتقاء 10 عشرة كُتب استثنائية تُناسب بشكل خاص تحويلها إلى أعمال فيلمية، يُمكن لمنتجي الأفلام التواصل مع أصحاب حقوقها وناشريها ووكلاءها الأدبيين العملين على الصعيد الدولي قصد تحويلها لأفلام.
لا وجود للمغرب بينها كل هذه، فعن أي إنتاج مشترك وعَدَت به سفرية الوفد المغربي لبرلين؟ (بلغني استياء جل الشركات المغربية هناك من العملية).
عودة للاستعارة المجازية لحيوان “البغل” على وزن “بَغْلِين”، ورجوعا للدرس الكلاسيكي الذي يُلقَّنُ بأعرق الكليات العسكرية، بخصوص دور البغل في لوجيستيك إمداد الفرق العسكرية لتقدمها نحو الهدف الجغرافي المقصود، أتسائل عن مدى جدوى بَعثات تمثيلية لسينيمانا بالمحافل الدولية، في غياب آلية استراجيتية لتسويق مشاريعنا على الصعيد الدولي (تحصيل حاصل تاريخي لم يتم تقويمه لغاية اليوم)؛ في مقابل جاهزية تمويل الدولة أمام غياب التدبير الاستراتيجي الاستباقي لمهندسي ميداننا السينمائي.
حتى كُتيب/كطالوغ المركز المُقدَّم تحت عنوان “السينما المغربية: فسيفساء من القصص المصنوعة من الضوء MOROCCAN CINEMA: A MOSAIC OF STORIES MADE OF LIGHT”، حُشِر بفهرسة دليلِه مجموعة من “المحترفون المغاربة في معرض برلين السينمائي الدولي EFM”، منها من حضر وآخرون لا عِلم لهم بحشرهم فيه (مثلا “ مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط Tetouan Mediterranean Film Festival”)، وثلة من المفروض أن يكونوا بالدليل وحاضرون بتمثيلية مُعتَبرة ووازنة، ولا إشارة لهم، أخص بالذكر “الجمعية المغربية لنُقاد السينما AMCC” وهي العضو الفاعل ب”الفدرالية الدولية للصحافة والنقد السينمائيين FIPRESCI”، و”المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة Festival International du Film de Dakhla” خصوصا والظرفية السياسية تعيش على وقْع المفاوضات الدولية حول مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية الجارية الآن أطوارها النهائية، و”المهرجان الدولي للسينما الإفريقية Festival du cinéma africain de Khouribga” برصيده العريق تاريخيا وإفريقيا، وغيرهم من الأنمودجات المهنية الوازنة.
كل ذاك، لا ينفي بعضَا من نِقاط الضوء المسجَّلة لصالح المشاركة المغربية بالدورة 76 للبرلنيالية، ولو بصفة محتشِمة، أخص بالذكر:
- حضور المغرب (من بين 17 دولة) بفقرة الدراما ب”سوق برلينالي للمسلسلات Berlinale Series Market”، وهي مبادرة مشتركة بين سوق الأفلام الأوروبية، وسوق الإنتاج المشترك، وبرنامج مواهب برلين، تهدف لخلق فرص التواصل، وفتح جلسات نقاشية تحليلية تتناول الاتجاهات العالمية، مع جلسات عرض المشاريع المتاحة للتسويق المسبق والإنتاج المشترك، حيث شارك المغرب بمسلسل “K-1”، إنتاج شركة “K Film” لصاحبتها المنتجة خديجة العلمي، وإخراج جماعي لكل من نور الدين الخماري وهشام عيوش وياسمين بنكيران. “تدور أحداثه على وحدة نُخبة شُرطة تتشكل من كبار الضباط بمختلف أقسام المكتب الوطني للشرطة القضائية. تتولى هذه الوحدة مهمة التصدي للأنشطة الإجرامية الكبرى، وتجوب أرجاء المغرب من الجنوب إلى الشمال، بحثًا عن شخصيات نافذة في عالم الجريمة المنظمة. تتعاون أحيانًا في تقصِّياتها مع عملاء الأنتربول وفرق مكافحة الإرهاب. جوهر قوة فريق “K-1” يكمُن في ثقة أعضائه وخبرتهم العالية. إلى جانب المخاطر الجسيمة التي تكتنف حياتهم المهنية. يواجه أعضاء الفريق أيضًا صراعات شخصية، كالفُقدان والغضب والشعور بالوحدة، مما يُصقِل شخصياتهم ويجعلهم أكثر إنسانية وتعاطفًا”. حسب ورقة التعريف بموقع المهرجان.
- يسجَّل أيضا حضور المغرب بفقرة “قِمَّة مدارس برلين السينمائية Berlinale Film School Summit”، وهي مبادرة عالمية جديدة (أول قِمَّة)، تجمع نخبة من طُلاب الإخراج والإنتاج المتميزين من أبرز مدارس السينما العالمية (قيل) في مكان واحد (شاركت 18 مدرسة من 12 دولة بمجموع 81 طالب)، بهدف بناء شبكة دولية قوية لصُناع السينما المستقبليين، تهدف لدعوة الطُّلاب لاستكشاف أساليب جديدة في سرد القصص والإنتاج في بيئة صناعة سينمائية سريعة التطوُّر. شاركت بالقمة طالبة مغربية من المدرسة العليا للفنون البصرية (ESAV) وطالب مغربي من المعهد العالي لمهن السمعيات والبصريات والسينما (ISMAC). (في إطار شراكة بين معهد غوته بالمغرب والمركز، على حسب ما جاء بكطالوج المركز، ودون ذكر لمعايير هذا الانتقاء من بين العديد من الطلبة والمعاهد بالمغرب).
- إضافة للحضور المميز كاختيار رسمي بفقرة “عرض كلاسيكيات مهرجان برلين السينمائي”، عبر عرض التحفة المغربية “السَّراب” للمخرج المبدع أحمد البوعناني، إنتاج 1979، في عرضه العالمي الأول.
الفيلم رُمِّم حديثا من طرف الخزانة السينمائية المغربية بتعاون مع المركز، هذا الفيلم يُمثِّل، حسب نرجس النجار مديرة الخزانة: “طريقة غير مباشرة وشاعرية للتَّحدُث عن البلد … ليس فقط للحفاظ على عمل نادر، بل لجعل أحمد بوعناني تحت الأضواء مُجددًا، وإعادة الاعتبار لمكانته المُستحَقة كمخرج سينمائي ارتقى بالصورة إلى مستوى وحدَة فكرية، سامحاً للواقع بالتجلي دون أن يسعى أبداً إلى توضيح ذلك، في حين وبشكل خفي يُسطِّر على السؤال المركزي الذي يطرَحه: ماذا يحِل برجل عندما يُمنَح وَعْداً، فقط ليتحول إلى سَراب؟ … باختيارها لهذا الفيلم، تؤكد البرلينالية أيضًا، على أن الفيلم ينتمي إلى تاريخ السينما العظيم، وليس إلى تاريخ وطني فحسب”، عن كطالوج المركز.
أكتفي وأختم مقالي بما جاء في المؤتمر الصحفي للجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي بدورته 76، على لسان رئيسها المخرج المبدع فيم فيندرز:
“لم ينجح أي فيلم قَطُّ في تغيير رأي سياسي بشكل جذري. لكننا قادرون على تغيير أفكار الناس حول كيفية عيشهم. للسينما قدرة هائلة على التعاطف والتفهُّم. لا يملك الإعلام هذه القدرة، ولا السياسة كذلك، لكن الأفلام تملِكها”.
مع متمنياتي بأن نقدي هذا سيصبو إلى تغيير أفكار تدبير شأن سينيمانا، بشكلٍ بناءٍ وسليم.