هشام الودغيري
اتصل بي صديق كندي عملنا معًا في مشروع سينمائي ضخم، طالبًا مني كتابة مسودة لسيناريو فيلم مضمون التمويل والتسويق من جهة يعمل بها. سألته عن موضوع العمل، فأجاب بأن الموضوع من تيمة LGBTQ+ (مجتمع الميم: إشارة إلى المثليات، المثليين، مزدوجي الميل الجنسي، المتحولين جنسياً، الكوير والمتسائلين عن هويتهم). كانت إجابتي صريحة: أنت تعرف مبادئي وحدود انفتاحي الديني والثقافي، ومن المستحيل عليَّ، حتى من زاوية ثقافية، أن أتناول موضوعًا يخالف قناعاتي. رَدَّ عليَّباختصار: «طُز فيك!».
هنا طرحت السؤال على نفسي: هل كان قراري صائبًا من زاوية مبدئية وفنية، أم أني أخطأت عمليًا وأضعت فرصة مادية مهمة؟ السؤال تجاوز اختياراتي الشخصية ليلامس خلفية إشكاليات أوسع تتعلق بمنظومة الإنتاج الوطني، وبخاصة اعتماده شبه الكامل على الدعم العمومي، وما يصاحب ذلك من صعوبات إجرائية وميكانيزمات معقدة لدفتر تحملات قد تفتقر إلى الموضوعية، وإلى تدخلات إدارية تتجاوز صلاحياتها القانونية بما يؤدي أحيانًا إلى إجهاض مشاريع إبداعية واعدة. في بعض الحالات، تبدو الإدارة فيها وكأنها ليست في خدمة المواطن أو المهنيين أو المستثمرين، بل هي في خدمة «زبون» غير مضمون النتائج لكنه مطاوع كريم.
المأزق الأخلاقي الذي أعيشه، فما بين «حِيص» الانتفاع بريع ماخور سينمائي دولي وقبول العمل بمشروع سينمائي من تيمة LGBTQ+، و«بِيص» التباري على تمويل إنتاج عمومي وطني، يقودني إلى حالة مماثلة للضبابية البراغماتية. بين الرغبة في انتهاز فرصة مالية من سوق سينمائي دولي، وبين التنافس على تمويل عمومي يفتقد شروط التمويل الجيدة والمنطقية، أقف متردداً: هل أبيع «الماتش»؟
في ذلك، قد أربح النقد الرَّنان، لكن المؤكد أنني سأخسر زاد الضمير والفكر والإبداع، وسأساهم تبعا في تقوية نموذج إنتاجي أراه سريع الانحدار، على خلفية ما أخشى أن تتبادى آثاره في حصيلة السينما الوطنية بالمهرجان الوطني القادم، بالفصل الأخير من 2026.
وفي حديث أخر،
مَالُ الجمهور في خدمة النخبة: كيف تُسوَّق الصورالشخصية وتُهمل الصناعة؟
أعلن «المركز السينمائي المغربي» الأسبوع الماضي عبر منصاته التواصلية عن بلوغ شريط «زنقة مالقة» رقم 200 ألف تذكرة في فرنسا بين 25 فبراير و25 مارس 2026. هذا الإعلان، رغم ما فيه من فخر وتباهي، لا يمكن اعتباره مهنيا مقياسًا صناعيا موثوقًا. ذاك الإشهار المجاني لفُتوحات «آل عيوش» بالديار الفرنسية، ليس بمعيار إحصائي يُعتَدُّ به في الأقل محليًا، لكون الشريط هو إنتاج دولي مشترك، له جنسية إسبانية بحكم غلبة نصيبها في الإنتاج، إضافة لتمرس «الآلة العيوشية» في العوم بدهاليز الإنتاج والتوزيع الأوروبي.
الشريط هو مُنْتَج بميزانية معلنة قدرها 3,9 مليون أورو، ونظرا لرقم المعاملات الذي سجله في 200 ألف تذكرة، وبقراءة جدوى اقتصادية لنتائج الشريط، تَظهر جليًا لكل خبير ميداني أن الحصيلة مُقلقة، إذ بالاطلاع على رصيد معاملاته دوليًا الذي بلغ 1,5 مليون أورو مبيعات تذاكر (لحدود اليوم)، الشيء الذي يحلينا إنتاجيا واستثماريا إلى تسجيل عجز مالي (بعد مرور 6 أشهر على جاهزيته منذ يوم عرضه الأول بمهرجان البندقية في 29/08/2025)، وهو الأمر المُخَيِّب لآمال أي منتج براغماتي في ميدان السينما دوليا ووطنيا.
بالعودة لحِصَّة المغرب (“مركز سينمائي” وشركة) في عملية الإنتاج المشترك لشريط «زنقة مالقة» (10,47%)، وهنا أتسائل عن أين هي حصة الثلثين 2/3 (66،66%) التي يوفرها المركز لدعم مشاريع الإنتاج من حصص شركاء تمويل الشريط المعلنة؟ وتعقيبا على آلية التسبيق على المداخيل المؤطَّرة عن طريق لجنة الدعم (دُعِّمَ الشريط بمبلغ 3,2 مليون درهم في الدورة الثالثة لسنة 2024، التي تمثل تقريبا حصة 8,2% من إجمالي الميزانية)، سنجد عجزا مُقلقًا في العملية، من حيث تحصيله على رقم معاملات دولي خام وصل إلى حوالي (1,6 مليون دولار) لغاية 25 مارس 2026، وباحتساب متوسط عمولة الموزِّع الخامة في معدل 22,5%، زائد معدل عمولة القاعة الخام في 45%، أي بمجموع عمولة تصل عادة إلى 67,5%، سنحصل على مبلغ عائد خام في 1,08 مليون أورو، أي حصيلة مدخول خام للشُّركاءالدوليين تُقدَّر برقم 520 ألف أورو، وبتطبيق المعادلة على نصيب حصة المغرب/المركز الخامة (8,2%) في الإنتاج سنحصل على مبلغ يقارب 42,65 ألف دولار أي حوالي (50 مليون سنتيم مغربية).
طبعًا الرقم في مَحَل تصاعد طبيعي مستقبلا في تحصيل رقم معاملات إضافية، لكنه في وضع تنازلي طبيعي لعدد مبيعات التذاكر (ابتَدأ بفرنسا في حوالي عدد 63,5 ألف تذكرة ما بين 25 فبراير و4 مارس، ونزل لحوالي 41,3 ألف تذكرة ما بين 18 و25 مارس). في انتظار أرقام عرضه ببلده الأصلي إسبانيا ابتداء من أول أبريل القادم، لا يمكن التكهن بأكثر من ضعف تذاكر فرنسا.
المعطيات الميدانية تظهر في حالة الأنموذج «العيوشي» نمطًا إنتاجيًا (في حدود عشرة مرات حجم كلفة الإنتاج المغربي) يعتمد على دورة تسويق قصيرة في القاعات لا تتجاوز شهرًا، الشيء الذي يضمن نظريا رقم معاملات خام في حدود 50% من كلفة الاستثمار النقدي الحقيقي، تليها محاولة لاستدراك النقص بتكملة 50% المتبقية عبر تسويق تلفزيوني ومنصات رقمية وبيع نسخ مادية DVD.
كذلك تُوضِّح التجربة أن وزن «صورة المنتج وماكينته الإنتاجية»، زائد علاقاته الشبكية الدولية لتسويق أفلامه، مدى قوة الوزن الإعلاني/الإشهاري «كماركة/علامة تجارية» لمؤسسة «آل عيوش» الذي قد يفوق أهمية قيمة طرح الموضوع السينمائي ذاته، بما يُفيد أهمية/أولوية نَجْمِيةِ “المُنْتِج” كعامل تسويقي أساسي وكماركة/صورة Image de marque، أي أنه لا اعتبار مركزي لموضوع المنتُوج وأهميته الفنية بقدر أهمية صورة المُنتِج الذاتية (Star-system) ونفوذ علاقاته الميدانية (حالة شاذة صناعيا، إذ التسويق يعتمد على سمعة أسهم الممثلين Tête d’affiche في Box-office وهي واردة في السينما المستقلة).
الملخَّص المفيد:
هل تُنْقِذُ أرقام مبيعات ماما فرنسا الأفلام المدعَمة مغربيا، أم تكشِف فشل أنموذج التمويل السينمائي الوطني لها؟
في اتجاه النسق التحليلي أعلاه، يمكن الرجوع لأرقام شريط «في حب تودا» مثلا، ومقارنتها بمدى قيمة الشريط صناعيًا/استثماريًا.
شريط «في حب تودا» حصل على 34 ألف تذكرة بفرنسا ما بين 18 ديسمبر 2024 وآخر أشهر 2025 (سجل في أول أسبوع عرض له 17684 بطاقة دخول، ثم 25 تذكرة فقط بآخر أسبوع). كما سجل رقم مبيعات خام وصل لحوالي 1,38 مليون دولار عند تاريخ 5 شتنبر 2025، من أساس ميزانية إنتاج في حوالي 2,4 مليون أورو. بعملية حساب بسيطة نسجل، بعد اقتطاع عمولات حصة التوزيع والعرض (67,5%)، يَتَبَقَّى مبلغ 448,5 ألف دولار، بها حصة مغربية تصل ل26% (“مركز سينمائي” وشركة)، فيمقابل مبلغ تسبيق على المداخيل ب5,5 مليون درهم المحصل عليه بالدورة الثانية لسنة 2021، والذي يمثل حوالي 22,5% من إجمالي كلفة إنتاج المشروع المعلنة، أي بحاصل مجموع مداخيل حصة “المركز” الخام في حوالي أقل من 108,5 مليون سنتيم.
تلك الأرقام المحاسباتية تطرح على كل متتبع للشأن السينمائي المغربي (إداريا كان، أو سياسيًا أو ناقدًا خبيرًا)، السؤال الاستراتيجيحول مأزق فعالية وملاءمة آليات الدعم العمومي في دعم مشاريع سينمائية هشة موضعا ومقاربة فنية، أي بصريح العبارة: لو كان الشريطان المذكوران كأنموذجين صناعيين ومغربيا في جودة سينمائية معتبرة ومتميِّزة بما تتطلبه الحرفة إبداعيا، لحققا ضرب العصفورين بحجر واحد، عصفورالجودة الإبداعية وعصفور العائد الرِّبحي المعتبر، وفي الأقل التتويج بأرقى المهرجانات.
– دُعِّمَ شريط «في حب تودا» ب550 مليون سنتيم من المال العام، مع تسجيل إرجاع (افتراضي) على خزينة الدولة لرقم 108,5 مليون سنتيم،
– دُعِّمَ شريط «زنقة مالقا» ب320 مليون سنتيم من المال العام، مع سداد قرض مرحلي (افتراضيا) في حدود تاريخ الأسبوع الفارط لقرابة مبلغ50 مليون سنتيم.
بحسبان أن «آل عيوش» هما من القلائل الذين يَفُونَ بسداد قروضهم لصندوق الدعم (على مقدار توالي تسلسل المداخيل الجِد مُخجِلة)؛ وفي غياب نشر إدارة المركز السينمائي المغربي لإحصائيات رسمية عن المبالغ المُسترجعة من الأغلفة المالية المُسَبَّقة لمشاريع الإنتاج السينمائي الوطني (بحوزتي رقم رسمي لا يتجاوز 8% من سداد التسبيقات منذ إنشاء آلية دعم الإنتاج)، لا يمكن إلا التساؤل عن التالي:
– أي منطق صناعي أو حتى داعِم للسينما بالمغربية يمكن الحديث عنه أمام التجربة الرائدة وطنيا (المذكورة أعلاه) والتي يُدَوِّي صداها باطلًا/مُغالطا، خاصة بالإعلام المغربي، والحصيلة تسجل خسارة مالية وفنية مستديمة؟
– عن أي سياسة استراتيجية لتطوير الصناعة السينمائية وطنيا، هَدَرَت وتَهْدِر المال العام في تسويق منتوج مغربي “تَسْمِيَةً” بكل من هوليود وبرلين وكان، وبالملايين، والنزيف مستمر مقابل استغلال ريعي شخصاني ممنهج للمال العام؟
أظن، إن الأرقام واضحة للعادي والبادي، وبحِساب الخُشيبات. فكفى حَجْبًا لأشعة الشمس بغربال التطبيل والادعاء الكاذبين وبشعارات السياسات العمومية الخرقاء بالميدان.
الاستنتاجات المهيكِلة:
بين الاحتفاء والإخفاق: هل تكشفت أرقام شباك التذاكر عن فشل استراتيجية الدعم؟
الأنموذج الإنتاجي الحالي القائم على دعم عمومي غير المصحوب بحكامة تدبير وإستراتيجية تسويقية متماسكة، عَرَّضَ ويُعَرِّضُ المال العامعبر آلية “صندوق الدعم” لعجز بنيوي في المردودية الضعيفة جدًا مقارنة بمبالغ الدعم الشحيحة أصلًا.
الاعتماد على صورة/ماركة المُنْتِج وشبكة علاقاته التسويقية الخاصة، بنهج تفوُّق البروباغندا الدعائية على قيمة موضوع الشريط الفنية في التأثير على أداء الشباك، يُضيع معيار «الاستحقاق الثقافي» لنشأة صناعة سينمائية وطنية جماعية في مواجهة «قوة الشبكة» الريعية محليًا ودوليًا.
أرقام شُباك التذاكر الأولية لا تكفي لقياس نجاح أي مشروع سينمائي، فيجب إدراج قراءة خبرة ميدانية تأخذ بعين الاعتبار جنس الإنتاج، حصة المشاركة، ومآلات التوزيع الدولي والوطني، بما في ذلك خصم عمولات الوسطاء وحصص الشركاء والأخذ بعين الاعتبار، في الحالة الوطنيةالإشعاع الثقافي ل”تامغرابيت” بين جوقة الأمم.
توصيات عملية:
دعم مَهْدُور أم استثمار فاشل؟ حسابات السينما الوطنية المكشوفة.
– مطلب إصلاح آليات الدعم العمومي عبر إدخال مؤشِّرات مردودية (optimisation de la rentabilité financière) واضحة قبل وبعد صرف الدعم (شباك تذاكر، مداخيل دولية/محلية نهائية، إيرادات ثانوية، احتساب هامش المردودية بين حصص الشركاء..)، مع تطبيق شروط إلزامية لاسترداد مبلغ التسبيق على المداخيل بصفة تدريجية، وفرض عقوبات جزرية في حال عدم تحقيق أهداف الجدوى الماليةمعتمدة.
– تنمية وتشجيع نماذج تمويل مختلطة (تكتلات المصالح الاقتصاديةGroupement d’Intérêt Économique) تجمع بين المستثمرين الخواص والمنح العمومية، مع بسط عقود واضحة لتقاسم المخاطر والعائدات وتفعيل تحفيزات ضريبية خاصة بالقطاع تأخذ بعين الاعتبار الامتياز الثقافي وعلو نسبة المجازفة الاستثمارية بالميدان.
– تعزيز الشفافية في عمليات اختيار المشاريع وتمويلها، وإتاحة تقارير دورية منشورة للرأي العام حول مردودية الدعم (إلى متى سننتظر النشر الأسبوعي لأرقام مبيعات تذاكر Box-office الأفلام بالمغرب، كما هو جار به العمل بدول المعمور؟).
– دعم وتمويل مبادرات تدريبية في التسويق الدولي والتوزيع للشركات الإنتاج الوطنية ولأطر الإدارة الوصية، حتى لا تكون مرتهنة بالكامل لشبكات لوبية خارجية لا تُعير أدنى اهتمام للخصوصيات السيادية لأي منتوج ثقافي قومي.
الطرح الذي أُثير أعلاه بصيغة إسقاطية شخصية عن عرض قبول الاشتغال على مشروع سينمائي بتيمة LGBTQ+، ليس مجرد إثارة مواجهة بين قناعات فردية وفرص مادية؛ إنه مرآة لإشكال أعمق في منظومة الإنتاج السينمائي الوطني. فدون إصلاحات هيكلية وإستراتيجية لتمويل وتسويق الإنتاج السينمائي المغربي أكثر ” تَمَغْرَبيَّةً” وعدلاً وفعالية، ستظل الاختيارات الاستراتيجية لأي سياسة عمومية هادفة للنهوض بسينمانا مرهونة بمسارات فردية/شخصانية لا تضمن للاقتصاد الثقافي الوطني سوى تكريس خسائر معنوية ومادية على حد سواء.
أي نعم، من حق الفنان/المنتج أن يختار مساره وفق قناعاته ورأس ماله، لكن من واجب القائمين على الدعم العام أن يجعلوا من أموال المواطنين استثمارًا عقلانياً في ثقافة حقيقية لا في صورٍ متنحِّرة أو ترويجٍ فردي ريعي لا غير.
للعبرة، يقول توماس إديسون: “أي شيء لا يُباع، لا أرغب في اختراعه. إذا بيع، فهذا دليل على فائدته، والفائدة هي النجاح”.