عبد الاله الجوهري
السينما والذاكرة:
يصعب الجمع، أو الخلط، بين الذاكرة والتاريخ، على اعتبار أن الذاكرة تنتج عن عملية التذكر المقتطعة والمتقطعة، تسكن الوعي الفردي والجماعي. بينما التاريخ، سرد يحاول تقديم وقائع وأحداث ماضية تعود لبلد أو أمة، ومحاولة تفسير آثارها على الحاضر، وإعادة بنائه في حاضر السرد. ورغم الفواصل التي قد تفصل بينهما، والحواجز التي يمكن أن تنتصب في طريق وحدتهما، باعتبارهما ظاهرتين متمايزتين، يمكن مع ذلك الجمع بينهما من خلال بناء تاريخ الذاكرة.
تتشابك السينما والذاكرة بطريقتين، حسب ألدو بيرنارديني: في المقام الأول، يمكن اعتبار السينما ناقلة للذاكرة من خلال العلاقة التي تقيمها مع الذاكرة التاريخية. وفي المقام الثاني: من خلال العلاقات التي تقيمها مع المخيال الإجتماعي، وبعد ذلك، يمكن التفكير في ذاكرة السينما كذاكرة لها خصوصياتها التي تميزها عن ذاكرة التاريخ الموسومة بعدد م المرجعيات “المعلومة” التي يصعب القفز عليها دون أن يكون لذلك أثار سلبية لحظة التلقي، الشيء الذي يدفع المؤرخين إلى محاولة التفكير في المشاكل التي تطرح أمام اللغة السينمائية، ومدى قدرتها على الوفاء لقيم التاريخ والتأريخ، كما تدفع السينمائي، في نفس الآن، إلى التفكير في مشاكل نقل وتوظيف التاريخ، دون أن يجر عليه ذلك غضب المؤرخين، وأيضا المتفرجين الذين يتماهون مع ما يعرض على الشاشة، ويطالبون بضرورة الوفاء لما يعرفونه.
السؤال الذي قد يطرح نفسه في هذا المقام: ما تعريف الذاكرة؟.
حسب بيير نورا1: “الذاكرة وحدة دلالية ذات طبيعة مادية أو معنوية، جعلت منها إرادة الإنسان، حسب متطلبات كل عصر، عنصرا رمزيا للمجتمع الذي تنتمي له، أو تمثله”، يعني، أنه تشييد متواصل، لا منتهي، يخضع تطويره وتحديثه لمتطلبات كل مجتمع في زمن معين.
الذاكرة السينمائية، لها نفس المميزات، هذا على اعتبار الفيلم مكان افتراضي للذاكرة، يتجسد في وعي المشاهدين، يتحقق حسب ثقافتهم الفردية والجماعية، كما يحاول الإجابة على الأسئلة التي يطرحونها جماعيا أو فرديا. فالعرض على الشاشة وفق الميكانيزمات الفنية والتقنية والجمالية يؤسس لفضاء تذكاري، يتم من خلاله دمج إنتاج الدلالات السينمائية في الذاكرة الاجتماعية.
فلا عجب أن وجدنا كل بلد يحاول أن يمتلك مفاتيح أفلامه، وأن يكتسب الإمكانيات التي تجعله يتحكم في الإنتاج السينمائي الخاص به، بما يمنحه القدرة على توظيف ذاكرته، وصون تاريخه، وتكريس هويته الخاصة. من هنا نفهم معنى الإصرار الأمريكي مثلا، على تسييج هوليود بقوانين لا تسمح لغير الأمريكيين، وحتى الأمريكيون الذين لا يؤمنون بقيم الرأسمالية، بالإشتغال وفق رؤاهم في صناعة الأفلام، هنا نتذكر الحملة المكارثية الشرسة التي شنت خلال سنوات الستينات من القرن الماضي على مجموعة من السينمائيين الذين كانوا يعتبرون “يساريين” أو يتعاطفون مع اليسار.
السينما الأمريكية استطاعت أن تصنع ذاكرتها الخاصة، وهويتها المختلفة، من خلال آلاف الأفلام التي أنتجت، منذ ظهور الفن السابع، بهدف تكريس نموذج وحيد محدد، وتمرير قيم الرأسمالية المتوحشة.. فالحلم الأمريكي اجتاح العالم، وتحول اليوم إلى مطلب يتهافت عليه ملايين البشر عبر العالم.
الولايات المتحدة الأمريكية، وكما نعرف جميعا، لا تمتلك عمقا تاريخيا، ولا مزيجا سكانيا، ولا تراثا خاصا منسجما، على اعتبار أنها بلاد لم تتشكل وتظهر إلى الوجود، إلا قبل أقل من أربعة قرون. ومع ذلك، ومن خلال السينما وبالسينما خلقت أسطورة الشعب الأمريكي المتحضر الذي لا يقهر، وكتبت تاريخا مزورا يعتمد على ذاكرة مثقلة بالقتل، والمحو والسطو على أرض الشعب الهندي الذي تمت إبادته، إبادة تم تبريرها وتمرير فظاعتها عبر أفلام رعاة البقر، وأشرطة وثائقية تم فبركتها وتزوير الواقائع التاريخية من خلالها.
على خطى السينما الأمريكية ومنجزاتها الفيلمية المنتصرة لقيم البروباغندا، وتزوير التاريخ، والتلاعب بالذاكرة، سارت سينمات عالمية مختلفة، أساسا منها السينما الصهيونية التي نسخت ونسجت، هي الأخرى، بكل وقاحة وفجاجة النموذج السينمائي الأمريكي في قلب الحقائق، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، وتكريس ذاكرة مبتورة..
لقد صنعت السينما الصهيونية ذاكرة خاصة بها على أنقاض الذاكرة الفلسطينية، وجعلت من تاريخ، وتراث شعب صاحب حق وأرض، تاريخا وتراثا مزورا بملامح باهتة يعيد تدوير التاريخ والتراث الفلسطيني، بل جعلت العالم يعتقد أن ما يقدم له هو الحقيقة، وأن الصهيونية تكافح من أجل صون حقها المهدد من طرف العرب عامة والفلسطينيون خاصة.
السينمات العربية، وللأسف، عجزت على مواجهة طوفان السينمات العالمية، خاصة منها الغربية، وبالتالي، فشلت فشلا ذريعا في الإشتغال على واقعها، وتجذير منجزات شعوبها، مما جعلها عرضة للتخوين، والتشويه الذي لاحقها، ولا زال يلاحقها، لحد أن العربي أصبح في سينمات الآخرين، على وجه العموم، مجرد بربري تائه في الصحراء، وشيخ ملتحي شبقي متعطش للدماء، وثري مضحك وجب سحقه لأنه يسيء لوجه الحضارة المعاصرة.
المغرب واحد من هذه البلدان العربية التي تعرضت ذاكرته التاريخية لكثير من السطو والتشويه والإستثمار في أفلام جلها جاءت لتكريس نفس الكليشيهات عن الشرق الغامض وشعوبه المتخلفة التي تصلح فقط لكي تؤثث فضاءات غرائبية تلهب خيال الغربيين، بحيث تحولت العادات والتقاليد إلى مجرد ممارسات بدائية عجائبية، كما أضحت رموزه التاريخية كائنات دموية لا تعرف غير القتل والسطو وتهديد حياة الإنسان الأوروبي والأمريكي. صور ومشاهد في أفلام كثيرة أساءت بكل قحة للذاكرة المغربية، وعملت على تحويلها إلى ذاكرة مثقلة بالأحداث الدموية، والقصص المروعة، والحكايات المسلية. علما أن بعض هذه الأفلام المسيئة للمغرب صورت بالمغرب بطواقم تقنية وفنية مغربية، سواء في المرحلة الكولونيالية أو سنوات ما بعد الإستقلال مباشرة، وأيضا في الزمن الحالي الذي يعرف فيه المغرب تهافتا جد كبير على استقبال وفود السينمائيين العالميين. واقع السماح للآخر بالتصوير في بلدنا، وفي نفس الآن تشويه ذاكرتنا الثقافية والتاريخية مرتبط بقدرة هذه السينما الأجنبية الغربية على استثمار ملايين الدولارات تنعش اقتصاد البلاد، كما أن عمليات التصوير تعطي صورة إيجابية عن المغرب كبلد مناصر لحرية الخلق والإبداع، لأنه في المحصلة النهائية، منع فيلم، أي فيلم، من أن يتم تصويره في بلدك، لن يحول بينه وبين التحقق في بلد آخر، قد يكون هذا البلد عدوا لك، أو منافسا لك سياسيا واقتصاديا واعلاميا، الشيء الذي يجعلك تحصد خسارة مضاعفة، خسارة مادية ومعنوية. لهذا السبب، دعى السينمائيون المغاربة ومعهم العديد من رجالات الفكر والمعرفة إلى عدم المساس بحرية الإبداع، لأن المنع ليس دائما هو الحل، الحل يتمثل في ضرورة مواجهة الأفلام المسيئة بإنتاج أفلام تقدم صور إيجابية عنا وعن تراثنا، أشرطة تصون الذاكرة وتسيجها من كل أشكال المسخ والتشويه، منجزات سينمائية تصحح بشكل واع المغالطات التي يمررها الآخر عنا وعن تاريخنا. لكن ضعف الإمكانيات، وعدم وجود وعي وفهم خلاق لدى سياسيينا، بدور الصورة السينمائية كرافعة للتنمية، وقبل ذلك كخزان للتراث وذاكرته التاريخية، وسياج يسيج هوية شعبنا، حال دون تحقيق المراد، ومع ذلك، يمكن الحديث عن محاولات سينمائية مغربية، لكنها محاولات قليلة رامت الحفر في الصخر، ونقل بعضا من بهاء صور بلدنا، ولحظاته التاريخية الجميلة.
- الذاكرة التاريخية والسينما المغربية.
الذاكرة التاريخية المغربية، تحبل بأحداث ووقائع ومعطيات وشخصيات فاعلة في التاريخ الإنساني، بمعنى ذاكرة مثقلة بالعديد من الدروس والدلالات القادرة على أن تمنح الكثير من القوة ونسغ الوجود الخلاق في اتجاه تكريس فعل استثمار المواضيع التي يمكن توظيفها، وجعلها أرضية خلاقة للتنويع، بما يتناسب والنهضة التي تشهدها المملكة في مجال الفن السابع منذ سنوات على مستوى الإنتاج والحضور في المهرجانات والملتقيات والمنتديات الدولية.
السينما المغربية، وللأسف، لم تستطع أن تكون في مستوى تكريس الحضور الثقافي والتاريخي للمغرب، على الرغم من توفر “الإمكانيات” والطاقات الإبداعية الخلاقة، وبالتالي حفظ الذاكرة من التلاشي والنسيان. والسبب، في اعتقادي، يعود إلى غياب الوعي بأهمية محاورة وصون الذاكرة، وذلك لعدم وجود إرادة سياسية حقة تمنح الذاكرة مكانة حقيقية، وتسعى لحمايته من المحو والنسيان. إضافة إلى أن فعل الإشتغال عند أغلب السينمائيين المغاربة يرتبط برؤى مستمدة من ثقافات مؤسسة، عند أغلبهم، على معرفة بثقافة الآخر أكثر من معرفتهم بثقافة بلدهم المغرب، واتقانهم للغات الأجنبية، أحسن من اتقانهم للغتهم الأم، عربية كانت أو أمازيغية، مما يحول بينهم وبين غوصهم بشكل ناجح في الذاكرة المحلية، ومحاورتها بوعي خلاق. وإن حاولوا ملامستها، يتم ذلك من خلال متون ونصوص مكتوبة من طرف كتاب ورواة وباحثين ومفكرين أجانب، جل هؤلاء، يشتغلون بخلفيات ومرجعيات سياسية متحكم فيها، في الغالب الأعم، بأجندات “مشبوهة”.
وبالتالي، السينما والذاكرة بالمغرب، وللأسف، لازالت علاقاتهما متوترة إن لم نقل أنها شبه غائبة، رغم حركية الإنتاج السينمائي المغربي اليوم، حيث لن تجد في الفيلموغرافيا السينمائية الوطنية سوى أفلام معدودة محدودة، استطاعت خلق حوار مع التراث، وأن تستثمر التاريخ الوطني، وتسائل الذاكرة بشكل واع. من بين أشهر هذه الأفلام القليلة، نذكر في هذا المقام أفلاما من طينة:
“44 أو أسطورة الليل” للمخرج مومن السميحي، و”طبول النار” للمخرج سهيل بنبركة، و”عطش” للمخرج سعد الشرايبي، وأفلام أخرى قليلة، يمكن اعتبارها لحظات متميزة فنيا وتقنيا، مقارنة بأفلام عديدة أخرى، حاولت توظيف التاريخ والاشتغال على الذاكرة، لكنها جاءت خلفياتها باهتة قاصرة على محاورة المراحل أو الشخصيات التي وظفتها.
نظرية: “الهواء يملأ الأماكن الفارغة”، سمحت للسينمات الغربية أن تتصرف في تاريخ المغرب كما تشاء، وتوظف وفق متطلبات السوق التجارية مواضيع وتواريخ وشخصيات ووقائع وحكايات، كما تحب، وتسعى، لتكريس صور نمطية فجة عن بلد وساكنة دون أن تجد قوة تواجهها وتصحح ما تقدمه من أكاذيب وقبح وفجاجة..
خلاصة:
ذاكرتنا التاريخية لا زالت منسية رابضة في متون الكتب لم تجد بعد الإرادة الحقيقية لتوظيفها سينمائيا، وتقديمها في أفلام قادرة على إبرازعمق موروثنا التاريخي الزاخر بعشرات الأسماء والعديد من المنجزات، مما يجعلنا نركز على ضرورة المناداة بضرورة وعي الجهات الرسمية بأهمية التشجيع على اللجزء للمواضيع التي لها علاقة بكل ما يمكن أن يظهر الجوانب الغنية لموروثنا التاريخي، والعمل على خلق ورشات ولقاءات تظهر هذه الجوانب المشعة من مسارنا الإنساني. مع ضرورة توجيه نداء لمبدعينا، وكل صناع الأفلام في ربوع وطننا من أجل أن يمتلكوا وعيا بتاريخ بلدهم وبهويته الأصيلة لحظة التفكير في صنع أفلام.