هشام الودغيري
أَطْلَعَ المركز السينمائي المغربي مرتفقيه ببلاغ يفيد المهنيين حمل عنوان: “بلاغ موجه لشركات الإنتاج السينمائي حول التحقق من تقييد العقد مع صاحب السيناريو عند دراسة طلب نيل الدعم العمومي الموجه للإنتاج السينمائي..”، وقد لاقى الإعلان هذا موجة من الاستفهامات، والاستياءات، والالتباسات من طرف أغلبية المهنيين الصامتين.
لشرح حيثيات النازلة ومدى قانونيتها من عدمها، أُفيد بالتالي:
شكلا، هو إعلان إداري مفيد وهادف في ظاهره، ويبين عن إرادة المركز لوقف تسيُّب بعض شركات الإنتاج في تعاملها مع كُتَّاب السيناريو، والقطع مع حالات تزوير أسماء الكُتَّاب وتغييرها عند التقدم بطلب الاستفادة من الدعم العمومي للإنتاج، تلك الحالات وغيرها متوفرة ولا زال بعضها عالق بمكاتب “المركز” في انتظار الوساطة فيها.
لكن موضوعا، فهو إعلان معيب في صياغته لكونه يعتمد على مرجع القانون 70.17 الصادر سنة 2020، وهو في عداد الميِّت نظرا لنسخه بقانون 18.23، وكان يفيد طبقا للفصل السادس منه “مهام حفظ الذاكرة وتثمين الموروث الثقافي والسينمائي”، وتبعا للمادة 28 فيه التي تأطر العملية ب”القيام بالحفاظ على السجل العام الخاص بالإنتاجات السينمائية والسمعية البصرية، والعمل على رقمنته وتمكين المهنيين من الاطلاع عليه”، لذا فالإحالة عليه بالبلاغ هو خارج الإطار إداريا وقانونيا.
بالرجوع للنص الحالي القانون 18.23 الصادر تنفيذه بالجريدة الرسمية في 30 دجنبر سنة 2024 (وليس 20 ديسمبر كما هو مثبت في بلاغ المركز، الذي هو تاريخ توقيعه)، الذي يَجُبُّ ما قبله، لا نجد أثرا لعبارة تخص “السجل العمومي”، فقد تم تعويضه ب”السجل الوطني للسينما” في الباب التاسع، حيث حددت المادة 73 اختصاصه: “من أجل ضمان إشهار العقود المبرمة في مجال إنتاج الأفلام السينمائية وتوزيعها واستغلالها التجاري وجمع المعطيات المتعلقة بالصناعة السينمائية”، كما ذكرت مسألة “السيناريو” موضوع بلاغ المركز في عبارة [تقييد]: “ب) تقييد العقود المنصوص عليها في المادتين 36 و60 من هذا القانون والعقود التي تبرمها شركات الإنتاج مع كل من صاحب السيناريو ومخرج الفيلم السينمائي”؛ مما خلق لبسا في فهم البلاغ ومراد الإدارة منه.
في حين كان على البلاغ الإشارة حصريًا واقتصارا على مرجع المرسوم الذي يخُص موضوع “السجل الوطني” تحديدا ومباشرة، دون وضع القارئ والمهني في تيه تأويلي للطرح، تطبيقا للمادة 74 من القانون 18.23، ونصها التنظيمي المسطر بالمرسوم رقم 2.25.482 الصادر بالجريدة الرسمية في 21 أغسطس 2025.
بالعودة لمنطوق المرسوم هذا بالمادة الأولى: “تودع طلبات تقييد العقود المشار إليها في البند (ب) من المادة 73 بالقانون المشار إليه أعاله رقم 18.23″، نجد تأكيد المشرِّع على عبارتي “الإيداع” و”القيد”، ولا وجود بتاتًا لعبارة “التحقق” الواردة ببلاغ المركز.
= القفزة القانونية الفاشلة: “المركز السينمائي” يوقع على ورطة دستورية.
هذا، وانطلاقا من دور أي إدارة عمومية التي من بينها إدارة “المركز السينمائي المغربي”، الذي تعمل أساسا في تدبير ملفات الإنتاج المعروضة عليها، سواء قصد الدعم أو قصد الإنتاج الحر، فمن واجبها الإداري والقانوني التحقق من صدقية الوثائق المصاحبة لكل مشروع (تحصيل حاصل)، كما يفعل أي موظف عادي بمرفق عمومي تُوَجه له ملفات مرتفقين قصد معالجتها إداريا، بالتالي يمكن التساؤل عن جدوى وغاية هذا الإخبار ما دام يدخل في شأن إداري داخلي محض؟
أما فيما يخص علاقة شركة إنتاج مَا مع وبكَاتب سيناريو مَا، فهي مسألة تدخل في باب “قانون الالتزامات والعقود”، ولا علاقة للإدارة بها، بل هي مُلْزَمة بقبول أي عقد موقَّع عليه من الطرفين شريطة مراعاة إثبات المصادقة عليه، سواء عن طريق موثِّق رسمي أو عرفي. ما يمكنه للإدارة، ووفقا للتشريع، هو طلب تسجيل العقد بإدارة الضرائب مما يعطيه صفة شرعية تسجيل ثابتة (مع مراعاة عدم تطبيق ازدواجية واجب التنمبر).
علاوة على ذلك، وبحكم القانون، يضطلع محافظ السجلات العمومية بدور الحَكم على صحة الصكوك والعقود التي توضع بين يديه؛ ولهذا السبب، يجوز له الامتناع عن المضي قدماً في تسجيلها أو نشرها استناداً إلى أسباب شكلية بحتة. أما عملية التسجيل في حد ذاتها، فتُعد إجراءً للإعلان العام، ولا يترتب عليه إصلاح أي عيوب قد تشوب الصك أو العقد المسجّل أو المنشور.
الأمر هذا، لا يوقع أثرًا بحجية التسجيل كإجراء جبائي، أو التقييد كإجراء إداري، كدليل قاطع أو حجة كاملة بالنسبة للأطراف، وكل ما يثبت هو وجود المحرَّر أو العقد وتاريخه، أي إن التسجيل أو التقييد يحفظ العقد فقط وليس الحق موضوع العقد، فذاك شأن المحاكم عند الاقتضاء؛ ولا يخفى على أحد (بما فيه الإدارة العمومية)، إن كل تطاول على مؤسسة القضاء يُعَدُّ جريمة جُنحية “التطاول على القضاء يعد تطاولا على القاضي الأول في المملكة”، كما تَبَث ذلك بالاجتهادات القضائية بالمملكة التي تخص موضوع المساس باختصاص المحكمة، كما يُعتبر مخالفة صريحة لمبدأ الفصل بين السلطات ويمس باستقلال القضاء المنصوص عليهما بدستور المملكة الشريفة (الفصل 01 و 107).
إضافة لكون المركز هو مُنَصَّب كوسيط مهني استنادا للمادة 78 من القانون 18.23: “القيام، بطلب من المهنيين، بمهام الوساطة في النزاعات التي قد تنشأ بينهم في مجال الصناعة السينمائية”، فهو لا يبث في حجية الوثائق عند وقوع نزاع مَّا بين طرفي المنتج وكاتب السيناريو وغيره، بل يقوم بتسوية النزاعات بصفة حبية توافقية وبالتراضي لا غير.
أما مسألة التحقُّق من تسجيل العقد والسيناريو من عدمه ب”السجل الوطني” لدى المركز، فهي عملية بيروقراطية داخلية، وفي فرضها عبر بلاغه موضوع المقالة “التحقق من تقييد العقد”، فهو يمارس ازدواجية المسطرة الإدارية، التي لا طائل منها سوى تعقيد المساطر الإدارية (و ربما لأغراض مُضمرة)؛ إذ من المفروض على إدارة المركز، بمجرد إرسال ملف طلب دعم إنتاج مَا، أو إذن بتصوير معين، فيزيائيا أو عبر منصة إلكترونية، كالعقود والسيناريو المرتبطين بأي مشروع وخلافه، وبعد التأكد من صدقية شكلها والتصديق عليها (وصل التسَلُّم الورقي أو الإلكتروني)، أن توجه/تضع نسخا منها مباشرة بكتابة المديريات المعنية بالمركز، التي من بينها كتابة “السجل الوطني”، كل على حسب اختصاصه الإداري، وذلك في إطار العمل وفقا ل”الشباك الوحيد” الذي تعمل به الإدارات المغربية نهجا لسياسة الحكامة وترشيد المرفق العمومي الذي تعمل عليهما وبهما الحكومة منذ سنين خلت (القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية الصادر سنة 2020).
= بين القانون والبيروقراطية… بلاغ المركز السينمائي يوقظ الجدل.
إضافة لما سبق، أسجل خرق إدارة “المركز السينمائي المغربي” في عدم امتثالها بتطبيق منطوق القانون رقم 55.19 في بابه التاسع: “البوابة الوطنية للمساطر والإجراءات الإدارية، المادة 28: يجب على الإدارات القيام سنويا، بإعداد المؤشرات المتعلقة بمعالجة وتسليم القرارات الإدارية التي تدخل في مجال اختصاصها والعمل على نشرها بالبوابة الوطنية”؛ فلا وجود لتحيين إدارة “المركز السينمائي المغربي” للنصوص المتعلقة بنشاطها بالبوابة الوطنية “إدارتي – idarati.ma”، فلا زالت ثابتة به العبارات والشروط المتقادمة قانونا في ما يخص مساطر تراخيص “المركز”، أخص بالذكر موضوع مادة البلاغ، فما هو مثبت ومنشور بالموقع يحمل عنوان “شهادة التقييد في السجل العمومي لسيناريو (الشريط المتوسط / الشريط القصير – الروائي / الإنتاج المشترك)” تبعا للقانون رقم 70.17 (طبقا لمعاينة لي بتاريخ الاثنين 16 مارس 2026).
فضلاً على ما سبق، هناك شرط أجل تفعيل البلاغ “.. شركات الإنتاج السينمائي الراغبة في نيل الدعم العمومي.. أنه ابتداء من الدورة الأولى برسم سنة 2026..”، الذي أتى به الإعلان، فهو شرط بعْدي بأثر رجْعي، أي بعد انتهاء آجال تقديم ملفات الدعم، التي حددتها “دورية للمركز” في 05 من يناير بالنسبة لما قبل الإنتاج، 24 من يناير بالنسبة لما بعد الإنتاج و05 من فبراير بالنسبة للأفلام الوثائقية عن الثقافة والتاريخ والمجال الصحراوي الحساني. بناءَ على ذلك، يُوَقِّع “البلاغ” أثرًا رجعيًا من حيث صدوره/إشهاره ب12 مارس 2026، وهو في ذاك مجانب للمساطر الإدارية وغير ذي قيمة قانونية، فالقاعدة العامة تقول ب”عدم رجعية القوانين” والمراسيم والقرارات، زيادة على كون هذه القاعدة القانونية تمنع كل مرسوم جديد أن يُغَيِّر أُسُسًا قانونية اكتملت في ظل القانون القديم، حمايةً للحقوق المكتسبة (تُستثنى من ذلك الحالات التي ينص فيها المرسوم صراحةً على الرجعية).
دون الحديث عن إغفال إدارة “المركز السينمائي المغربي” لتفعيل المرسوم رقم2.25.482 الذي صدر بالجريدة الرسمية في 21 أغسطس 2025، منذ وابتداءً من الدورة الثالثة والأخيرة لدعم الإنتاج السينمائي الوطني برسم سنة 2025، التي تنتهي آجال وضع طلباتها في 05 من شتنبر بالنسبة لما قبل الإنتاج، 24 من شتنبر بالنسبة لما بعد الإنتاج و05 من أكتوبر بالنسبة للأفلام الوثائقية عن الثقافة والتاريخ والمجال الصحراوي الحساني.
تأسيسا على ما سبق، وشفعا بغياب تأريخ الوثيقة/البلاغ وعدم توقيعه من طرف مدير المركز أو من ينوب عنه، فبلاغ إدارة “المركز السينمائي المغربي” يُعد مًعيباً في فحواه ومضمونه، ثُمَّ لاغٍ ولا أثر لقانونيته، لاحتوائه على عيوب شكلية وموضوعية مخالفة للقانون روحًا ومنطوقًا.
وفي حديث آخر،
= البلاغ المُخادع يفتح باب التساؤل: هل تُدار السينما بالمصالح الخاصة؟
يعمل أُطر “المركز السينمائي المغربي” جاهدين ومشكورين على ذلك، في تدقيق كل ملفات مشروعات الإنتاج المعروضة أمامهم، من أجل تمحيصها وتدقيق المعلومات الواردة بها، سواء مالية كانت، أو تقنية، أو قانونية، أو كسيناريو فيما بخص ملاءمتها بالتشريع والقوانين والمراسيم والقرارات الجاري بها العمل، لكن لكثرة الملفات قد يتسرب السهو في معالجة البعض منها، وقد يُلغي الشطط الإداري بالتعليمات الفوقية دور الموظفين واللجان في تقييمها، خاصة فيما يتعلق بالسيناريو (سواء كنص مرجعي/محوري بعملية الإنتاج السينمائي برمته، والذي قد تشوبه مغالطات تاريخية، أو تكرار موضوعاتي، أو حتى نسخ/نقل كامل لمضمون سيناريو تَمَّ دعمه أو قبول تسجيله سابقا)، أو الترخيص لإنتاجات دولية يكون أحد منتجيها المشتركين معادين للوحدة الوطنية وتواثب وخلافه (وقفت على أنموذجات صارخة في كل حالة ذكرتها)، وهذا بنظري ما يجب على إدارة “المركز” الانكباب عليه والانضباط فيه من أجل تفاديه مُسْبقا ومُسْتقبلًا.
أما مسألة تزوير وتدليس العقود، فهي قضية محاكم (بعد طَرق وساطة المركز، التي تظل اختيارية)، وما على “المركز” سوى رفع الملف إلى النيابة العامة إذا تبث لها ذلك. كذلك فيما يخص العلاقة التعاقدية بين شركة الإنتاج وكاتب السيناريو وغيره، فهي تدخل في إطار “قانون الالتزامات والعقود” ولا دخل ل”المركز” بالمسألة، وعلى كل متضرِّر من تدليس أو حيف أو شائبة في عَقده اللجوء للقضاء.
ختاما، أجزم بصريح العبارة بأن حكاية هذا “البلاغ” ما هي إلا زوبعة في فنجان. فبرأيي، لضمان حماية حقيقية وفعالة لحقوق كُاتب السيناريو، يجب نهج طرق أنجع من إجراءات التسجيل والتحقق من التسجيل (تضل فقط دليلاً قانونياً يثبت علاقة المؤلف بالمنتج، وتاريخ إيداع العمل، تحسباً لأي نزاع محتمل يُعرض أمام العدالة)، والتي لا تثبت بأي حال الحقوق الفكرية والإبداعية والإنتاجية للكاتب، ولا هي تضمن للمنتج حصرية الفكرة ولا تُؤمِّنه من زيف سيناريو مسروق أو مقتبس أو غير حاصل على إذن أو ترخيص من مبدعيها أو ذوي الحقوق؛ وما بالك بعقود حقوق الموسيقى، وإجبارية (هناك) كتابة المرجع لكل مقطع موسيقى تم ضمه للشريط والذي يغيب عن بعض جنيريكات الأفلام المدعومة من طرف لجنة الدعم؟!.
الأمر عندي يستدعي مقاربة مهنية خاصة، والشروع في إصدار “عقد نموذجي” بمشاركة واعتماد جميع الأطراف المهنية، الشيء الذي سأتناول تفصيله في مناسبة قادمة.
= إحاطة: في غمار تنامي الخلل الحاصل بمنظومة القطاع السينمائي المغربي، تكاثرت في الشهور الأخيرة الأسئلة الكتابية والشفهية المرتبطة بالقطاع بمجلسي الأمة، وفي مقاربة لصيقة بموضوع مقالتي أعلاه، تمَّت إحالة سؤال كتابي عن طريق رئاسة “مجلس النواب” إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل همت: “الأساس القانوني لفرض أجر جزافي لتسجيل السيناريو بالسجل الوطني للسينما وصعوبة تحويل المشاريع بين شركات الإنتاج”، مُقدم من طرف النائب الحسين وعلال، مُمثل فريق التجمع الوطني للأحرار (تاريخ التوصل بالسؤال كان ب09 مارس 2026).
1 تعليق
مند تأسيس المركز السينمائي سنة1944 واضبط على تحين القانون الأساسي للصناعة السينمائية والقانون الأساسي للمركز السينمائي تقريبا كل عقد من الزمن او كلما دعت الضرورة لحالك وانا شخصيا شاركت في ما مضى وكنت ضمن للجة الصياغة ولم يشهد اي من القوانين السالفة الدكر للبلوكاج المسار اليومي لوتيرت عمل المركز اتعلم لمادا بكل بساطة القوانين كنت عبارة عن تطوير وتطعيم المنظومة المهنية بستتناء القانون الحالي والدي حدف القانون المؤسس لسنة1944وحظف الغرف المهنية من صيانته والادهى من دالك اركز على نقابات صورية وعلى شبه مهنينن وكيف بصياغته من لم يضع قدمه في مكان التصوير وغريب عن المهنة بستتتاء انه موقف من دوي التخصصات الرقمية فلنصمت وننتظر ما ستغفر عليه الايام القادمة لانه لا وجود للسينما بدون من اسمو السينما بالمغرب وهم خمس غرف مهنية